إنها الهجرة
تحتاج الأمم الى التقويم الزمني ليضبط إيقاع حضارتها ويحافظ على تسلسل الأحداث والأفكار في فكر الأمة لتستطيع الأجيال ان تستفيد منه وتُقوم ماضيها لتخطط لمستقبلها وهذا ما أدركه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد رأى أن لك جزء أو إقليم من دولته تقويم زماني خاص حسب الأحداث او المناسبات التي أثرت في مسيرتها فأهل الحجاز يؤرخون بعام الفيل وأهل اليمن يؤرخون بخروج الأحباش واستقلل دولتهم وأهل الشام يؤرخون بمولد المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام.
كما أدرك الخليفة الثاني أهمية التقويم الزمني في تسلسل القرارات والتوجيهات الى الأقاليم وضبط جميع مخاطبات وسجلات الدولة، حينها عقد المشورة مع نظرائه من الصحابة رضوان الله عليهم، واجمعوا على أن تكون مناسبة الهجرة هي المناسبة الفاصلة في حياة الأمة، والأعظم تأثيرا على مسيرة الإسلام كأمة وكيان، فتقرر أن تكون هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم من مكة الى المدينة هي بداية التقويم الزمني لأمة الإسلام.
وبحق إن اختيار هذه المناسبة يعد امرأ بالغ الأهمية فلولا الهجرة ما قام الإسلام، ولولا الهجرة ما كانت لنا بدر واحد وفتح مكة والقادسية و عين جالوت، لولا الهجرة ما كانت لنا المدينة النبوية ولا الكوفة ولا دمشق وبغداد، لولا الهجرة ما كانت لنا البقرة وال عمران.
الهجرة هي المحراث الذي شق التاريخ وانبت كل تلك الفضائل والأمجاد، وزرع لنا تاريخا ومجدا وحضارة تؤتي أكلها كل حين، أنها بحق حادثة التاريخ الفريدة والتي تتكرر في قصة كل نبي فبالهجرة تولد الأمم و تقوم كياناتها وتندحر أمام الهجرة فلول الظلم والعدوان0
عزيزي القارئ : لعلنا نفرق في هذه الوقفة بين التقويم الزمني الهجري والهجرة النبوية، فالتقويم الهجري تم صياغته بمحضر من الصحابة كتقويم زمني تسجل به أعمال المجتمع وانجازاته، وكذلك تقرر في هذا الاجتماع المبارك بقيادة الخليفة الراشد عمر تحديد اول العام وان يكون محرم وذلك انه يأتي بعد الحج اجتماع الأمة الأكبر وبهذا الركن اكتمل عقد العبادة وفي الحج اكتمل الدين ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) فيكون محرم هو الشهر الاول وذو الحجة هو الشهر الثاني عشرة لتكتمل عدة الشهور اثني عشر شهرا قمرية، تدور بتسلسل وتتنقل في فصول العام فتارة يكون رمضان والحج في فصل الشتاء وتارة يكون في فصل الصيف، وهذه خاصية الحساب القمري فهو يتنقل الأشهر بين الفصول بعكس التقويم الشمسي الجامد الذي يدور الشهر في فصل لا يفارقه البتة.
وأما أحداث هجرة المصطفى فإنها وقعت أواخر شهر صفر وبداية ربيع الاول من السنة الثالثة عشر من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وبهذا تكون الهجرة هي الحدث الأكبر تأثيرا في حياة كل مسلم بل في حياة الكون كله فلولا الإسلام وبقائه لكان الكون قد أفل فالله تعالى يبقى هذا العالم من اجل عبادته بهذا الدين القويم فقد جاء الأثر ان الساعة لا تقوم حتى لا يحج الى هذا البيت مسلم فبنهاية الإسلام وانقضاء المسلمين تقوم الساعة على شرار الخلق.
فالحمد لله الذي فضلنا بهذا الدين وأكرمنا به وخصنا برسول الله صلى الله عليه وسلم فكان من أتباعه وبني جلدته وأهل نصرته والله له الحمد في الأولى والآخرة. الرسالة