PDA

عرض الاصدار الكامل : هكذا كانت عبقرية ابن خلدون للغرب نفعاوليس لنا00


مطنوخ
25 - 6 - 2009, 02:39 AM
في نهاية القرن الثامن الهجري (الموافق لنهاية القرن الرابع عشر الميلادي) وفي قلعة منعزلة في أقصى المغرب العربي، جلس رجل غريب التفكير جم النشاط، يسطر بحثاً في التاريخ، غريب العنوان طويله يخلص فيه إلى نتيجة لم تخطر على بال أحد من قبل، فقد استطاع أن يحلق بعقله عبر القرون، فيصل إلى فهم حركة التاريخ، ويعلن عن انطفاء شعلة الحضارة الإسلامية، بهذه الكلمات القليلة ((وكأني بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب، لكن على نسبته ومقدار عمرانه، وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض، فبادر بالإجابة، والله وارث الأرض ومن عليها، وإذا تبدلت الأحوال جملةً فكأنما تبدل الخلق من أصله، وتحول العالم بأسره، وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث )) هذا الرجل هو ابن خلدون التونسي. وأهمية ابن خلدون أنه كان يتمتع بحس (قانوني - سنني) مرهف، فهو يحاول فهم علل الأشياء، ويدخل إلى بطن الأحداث، ليكتشف القانون الذي يسيطر على توجيه الأحداث ((فإن التاريخ في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق))
هذا الاكتشاف المدهش الذي توصل إليه ابن خلدون يعتبر انقلابياً ونوعياً في تاريخ الفكر كله، فهو نزل إلى الحوض التاريخي، يقرأ الأحداث ويحاول فهمها، ليس كقطع ممزقة، ونثارات مرمية، وحوادث لا يجمعها خيط، أو ينتظمها قانون، بل كواقع بشري يخضع لـ (سنة الله) في خلقه، فاكتشف قانون قيام الدول وموتها، كما حلَّق إلى مرتفع شاهق، فلمح بومضة عين انتهاء مسيرة الحضارة الإسلامية، وأهمية هذه الفكرة أنه بذلك أدخل الفهم السنني إلى مجال التاريخ، فلا غرابة أن اعتبر المؤرخ البريطاني جون أرنولد توينبي عمل ابن خلدون التاريخي _ والعلماء يقدرون بعضهم _ بأنه ((أعظم عمل من نوعه أنتجه أي عقل في أي مكان أو زمان –
أو أن يعتبره (فلنت): ((إن أفلاطون وأرسطو وأوجستين ليسوا نظراء لابن خلدون، وكل من عداهم غير جديرين حتى بأن يذكروا إلى جانبه))
إن فكر (ابن رشد) و(ابن خلدون) السنني لم يترك أثره بكل أسف في العقل الإسلامي حتى اليوم، فالطريق الذي شقه ابن خلدون لم يتفطن أحد إلى خطورة اكتشافه، ولهذا لم يتابع أحد هذه الومضات الخالدة وهذا التحليق المدهش، أما ابن رشد فهو متهم حتى الآن؟! والذي استفاد من هذا الفكر (السنني) هم رواد النهضة الغربية ) (خاصة في إيطاليا، حيث أطلق تياراً عقلياً تحررياً، بدأ ينتبه إلى فكرة (السنن) في إدراك الوجود، و(البحث التجريبي) الذي يقوم على طريقة جديدة في فهم الوجود هي الطريقة ( الاستقرائية بدلاً من الطريقة الأرسطية القديمة التي تقوم على الطريقة (الاستنباطية) ) التي تعتمد البحث النظري فقط للوصول إلى حقائق الوجود، فكانت طريقة ابن خلدون الاستقرائية ثورة على الفكر القديم بتدشين (العودة إلى الواقع) لأن أي (صخرة) هي أدل على نفسها من أي نص كتب عنها أياً كان مصدره، أي بربط الفكر النظري بالواقع، بتأمل قوانين المجتمع كما هي وكيف تعمل؟ لا كيف يجب أن تكون كما فكر من قبل أرسطو وأفلاطون وهي نقلة نوعية في الفكر.
هذا النوع من التفكير عند ابن خلدون في اعتبار (الطبيعة والتاريخ) من مصادر المعرفة هي روح إسلامية وهي بنفس الوقت ثورة على التفكير اليوناني القديم، ففكرة (السنة) تكررت بشكل ملفت للنظر في القرآن، والسنة ليست في التفاعل الكيماوي، أو الخواص الفيزيائية لمعدن ما، بل ولا في البيولوجيا، عنى القرآن بالسنة (النفسية الاجتماعية)، واعتبر أن هذه السنة ثابتة، فلا تتغير ولا تتبدل (ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلا)
وإذا كانت حركة التاريخ تخضع للقانون (السنة) فهل التاريخ يعمل بشكل آلي أعمى، أم له قانونه الخاص الذي ينتظمه؟؟ هذا السؤال هو لب المشكلة الفلسفية، فالقانون يفرض نوعا ً من ( الحتمية) على العقل، ولكن قانون الفيزياء غير قانون البيولوجيا، كما أن قانون الذرة هو غير قانون المجرة، وقوانين (ميكانيكا الكم) هي غير قوانين (النسبية)، وغير القوانين (النفسية والاجتماعية)، ذلك أن المجتمع له قوانينه الخاصة التي تسيِّره، ولكن الديناميكية الاجتماعية مرتبطة بالإرادة الإنسانية، لذا أصبح المجتمع متطوراً وقابلاً للتغيير.
يقول مالك بن نبي ((إن كل قانون يفرض على العقل نوعاً من الحتمية تقيد تصرفه في حدود القانون، فالجاذبية قانون طالما قيد العقل بحتمية التنقل براً أو بحراً، ولم يتخلص الإنسان من هذه الحتمية بإلغاء القانون، ولكن بالتصرف مع شروطه الأزلية بوسائل جديدة تجعله يعبر القارات والفضاء كما يفعل اليوم. فإذا أفادتنا هذه التجربة شيئاً إنما تفيدنا بأن القانون في الطبيعة لا ينصب أمام الإنسان الدائب استحالة مطلقة، وإنما يواجهه بنوع من التحدي يفرض عليه اجتهاداً جديداً للتخلص من سببية ضيقة النطاق ... وبذلك تتغير وجهة النظر في سير التاريخ، إذ أن المراحل التي تتقبل أو لا تتقبل التغيير حسب طبيعتها تصبح مراحل قابلة كلها للتغيير، لأن الحتمية المرتبطة بها أصبحت اختياراً يتقرر في أعماق النفوس))
وإذا كانت (السنة أو القانون) تسيطر على الوجود بكل قطاعاته بدءًا من الذرة وانتهاءً بالمجرة، من الإلكترون حتى النفس الإنسانية، ومن الجزيء الكيماوي حتى المجتمعات، فكيف يمكن فهم قانون تغيير ما بالنفوس؟؟
إن النفس الإنسانية لا تشكل لحناً شاذاً في منظومة الوجود، ولكن قطاع التغيير فيها يختلف عن العالم المادي أو البيولوجي، فـ (وحدة التأثير) هنا هي (الفكرة) إضافة أو تعديلاً أو ابتداءً، واعتبرت الآية القرآنية أن إمكانية تغيير ما بالنفس ممكن، والواقع يمدنا بشواهد يومية على ذلك، بل إنها ربطت تغيير الواقع، ومن خلال سنة الله في خلقه، بتغيير رصيد ما بالنفوس ((إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)) ، ففي هذه الآية الرائعة والتي تشكل بناءً أساسياً وفكرة مفصلية في منظومة المعرفة الإسلامية تنقدح (حزمة) من الأشعة الفكرية!!
يقول الشعاع الفكري الأول: إن الإرادة الإلهية شاءت أن يقوم التغيير الاجتماعي على أساس مجموعة من السنن المحكمة، ومن هذه السنن (الجهد الإنساني)، فالله لا يغير الواقع الاجتماعي، ما لم يتدخل الفعل الإنساني، على كل تفاهته وضعفه، فلولا الماء المهين الذي نمنيه (نحن) ما تمت عملية الخلق التي لا حدود لروعتها، وهذا تكريم إلهي للإنسان على دوره في هذا الوجود من خلال وظيفة الاستخلاف التي أُنيط بها.
ويقول الشعاع الفكري الثاني: إن هذا القانون دنيوي أرضي فحظوظ الإنسان في الدنيا تتعلق بالمجتمع الذي يحيا فيه الإنسان، فلو خير الطفل اليوم بين أن يولد في راوندا أو ألمانيا، لاختار قطعاً ألمانيا، والسبب بسيط هو وجود الضمانات، فمنذ اليوم الأول من ولادة الإنسان، تكون حظوظه أن لا يموت في الأمراض، أو أن لا يقتل بحرب أهلية، أو أن لا يموت جوعاً، أو أن يكون منعماً غنياً عنده مهنة ممتازة، أو أن يحصِّل تدريساً عالياً، ولا يعني هذا أن كل من يولد في راوندا يكون فقيراً، أو من يولد في الصومال مريضاً، أو من يولد في أفغانستان مقطوع الساقين بقذيفة مدفع، ولكن احتمالات كل هذه وبنسبة تتراوح تزيد وتنقص حسب الوضع التاريخي للمجتمع، فلو ولد الفرد في ألمانيا قبل نصف قرن لربما قتل في إحدى الجبهات، أو لو ولد يهودياً أن قضى نحبه في إحدى معسكرات الاعتقال النازية. لذلك كان المسؤولية والحساب في الآخرة فردية (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة)) في حين أن الكوارث الاجتماعية تتناول كل شرائح المجتمع (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) ، (وفي حديث السفينة عبرة كبيرة للمشكلة الاجتماعية ) فعندما تنطلق القوارض؛ من جرذان السفن الاجتماعية تنهش في قعر السفينة ثَقْباً، فإن الذي يغرق في هذه الحالة الجميع بدون استثناء، بما فيهم القوارض الفاسدة الحمقاء التي لا تبصر أكثر من أرنبة أنفها، بتضخم الذات المريضة السرطانية على حساب المجتمع (مثل تلك المناظر اليومية المؤذية والعدوانية، من الوقوف أمام إشارة المرور، فيتحرك المخالف الذي ركب على رقبة الناس وسرق وقتهم، عندما يزمر له طابور السيارات المصطف خلفه ؟!).
ويقول الشعاع الفكري الثالث: إن هذا القانون بشري، يضم تحت شموليته كل البشر مؤمنين وملحدين، مسلمين وكافرين، وهذا يطلق شرارة يقظة على عدة مستويات: المستوى الأول: إن الكون مسخر بالقوة، يتسخر مجاناً لمن يدرك قوانين تسخيره، بغض النظر عن العقيدة التي يعتنقها، فهو حقل متاح للجميع (كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا) (الإسراء: 20) وهكذا طير الأمريكيون الحديد في الهواء، وأطلق اليابانيون الإعصار الإلكتروني من قمقمه، الثاني: ليس هناك محاباة ووساطة ورشاوي في هذا الكون الذي نعيش فيه، وليس هناك قربى وزلفى إلا بالعمل المتقن، والإخلاص بدون حدود، والحذر من الأخطاء بدون نوم، ويجب أن يدرك المسلمون أنهم يعذبون بذنوبهم اليوم، كما عذب اليهود والنصارى من قبل ((وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه!! قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق))
ويقول الشعاع الفكري الرابع: إن هذا القانون اجتماعي وليس فرديا، فلو أراد فرد أو مجموعة صغيرة أن تغير ما بنفسها، فقد يحصل العكس، فقد تتعرض للسحق تحت قانون (الدجاجة الجريحة) الذي ذكره المؤرخ البريطاني توينبي، من أن الخارجين عن الانضباط الاجتماعي يصبحون مثل الدجاجة المجروحة، فتأتي بقية الدجاجات وتنقر محل الجرح النازف حتى الموت؟!! ولذا كان المجددون والأنبياء والمصلحون الاجتماعيون يعيشون حياتين: داخلية غنية خصبة مليئة بالمعاني والقيم، وأخرى خارجية صعبة وغير مريحة، في حين أن أصحاب العقارات والملايين يعيشون نفس الوضع ولكن مقلوباً، لأن المال عندهم يسبح بين الحسرة والقلق، الحسرة على المزيد والقلق على ما هو موجود، لذا كان على عاشقي الحكمة ومحبي العلم، أن لا يكنزوا لهم كنوزاً على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ وينقب الناقبون ويسرق اللصوص؟!
ويقول الشعاع الفكري الخامس: إن لفظة (ما) في آيةٍ استبدلت بلفظة (نعمة) في آية أخرى، وبذلك يمكن للنعم أن تتغير لتصبح (نقماً) !! والعكس صحيح ؛ من خلال تغيير ما بالنفوس، والنعم كثيرة لا يحصيها العدد، من الصحة والغنى والتعليم والحياة الزوجية الهنيئة وظروف العمل المريحة والأمن الاجتماعي، ومقابلاتها من انتشار الأمراض، وفساد التعليم، وسوء نظم القضاء والخيانات الاسريه، والتوتر في ظروف العمل، والخوف الاجتماعي، وجمعت الآية القرآنية نموذجين متواجهين ((وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنةً مطمئنةً يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون)) (النحل : 112) وليس هناك من (نعمة) أعظم في المجتمع من الشعور بالأمن إذا اجتمع مع رغد العيش وراحة البال، وكنت أتعجب من (الوجوه غير المسلمه وخاصه الغربيه منها الكالحة والمتجهمة) مع كل رغد العيش المتوفر والسلام الاجتماعي، واليوم أدرك أن أعظم سعادةٍ يحققها الإنسان في هذه الدنيا هي (قوت اليوم) في مجتمع يوفر (الضمانات) للأفراد الذين يعيشون فيه، ضمن (الطمأنينة الروحية) وبدون الجانب الروحي الأخير فلا فائدة من كل الشوكولاتة الاجتماعية (وتطمئن قلوبهم بذكر الله) فهذه الطمأنينة هي التي كان يفقدها غيرالمسلمون وخاصهالغربيون عموماً فلا يشعرون بالسعادة مع كل مجتمع الرفاهية، والعكس صحيح بفقر عالم (الأشياء) فالعلماء تفيض قلوبهم بالسعادة ولو فرغت جيوبهم من الدولارات، لأنهم (لا يملكون الأشياء كما لا تملكهم الأشياء). دمتم بالف عافيه 000

رجاحة فكر
30 - 6 - 2009, 07:09 AM
أخي مطنوخ
بارك الله فيك على هذا الطرح القيّم والملخص بهاتان الجملتان
((فإن التاريخ في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق))
(لا يملكون الأشياء كما لا تملكهم الأشياء)
ماأروع ماتحمله هذه الجملة من معنى لحرية النفس وعزتها
كما لاتملكهم الأشياء تعبير وافي لعزة النفس
موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .
أختك رجاحة فكر

مطنوخ
1 - 7 - 2009, 03:09 PM
أخي مطنوخ
بارك الله فيك على هذا الطرح القيّم والملخص بهاتان الجملتان
((فإن التاريخ في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق))
(لا يملكون الأشياء كما لا تملكهم الأشياء)
ماأروع ماتحمله هذه الجملة من معنى لحرية النفس وعزتها
كما لاتملكهم الأشياء تعبير وافي لعزة النفس
موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .
أختك رجاحة فكر
اختي الكريمه رجاحة فكر 0انا ممتن لمشاركتك العطره وقد عوضتني عن جميع القراءت التي لم يشارك اصحابها 0لك اجلالي اختي ودمتي بالف عافيه