مطنوخ
18 - 7 - 2009, 12:49 AM
الـفــنــون
هنالك عدة تصحيحات ينبغي إدخالها إلى عالم الوعي بقضية الفنون وهي :
- استحضار صورة الواقع المعاصر لا صورة العصور الماضية.
- إعطاء قضية الفنون والأحكام التكليفية المتعلقة بها مكانها ووزنها النسبي المناسب ضمن قائمة القضايا والأحكام التكليفية المتعلقة بجميع أقوال وأفعال المسلمين بحسب النظرة التجديدية التي يتم تقديمها من خلال هذا البحث
- مراعاة كون الأفعال والسلوكيات التي اكتفى الشارع بتحريمها أو إدانتها أو النهي عنها دون أن يتضمن الوحي عقوبات محددة لها ينبغي أن تخضع للمعالجة الإصلاحية لا للمعالجة العقابية.
- مراعاة كون كل الأمم والشعوب تحمل ميلاً نحو الفنون وتعلقاً بها وقدرة على إنتاجها.
إن من أهم أسباب نفور المسلم الحريص على التمسك بدينه من الفنون الحديثة - وخصوصاً المرئية منها – وما تسببه من زيادة الشعور بالغربة عن العصر وتعاظم الإحساس بالبعد عن الدين هو أن المثال الذي يحضر في الأذهان مستمد من صورة العصور السابقة بمعطياتها الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والسكانية. وبمجرد أن تكون هذه الصورة هي المقياس الذي يسهم في تحديد مدى ومقدار الصلاح والانحراف فإن النفور من الفنون يبلغ مداه ويزداد الشعور بالغربة ويتعاظم الإحساس بالبعد عن الدين. ولو أن المثال الذي يحضر في الأذهان مستمد من إنزال نصوص الوحي على صورة العصر الحديث بمعطياته الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والسكانية لاختلف الوعي ولتغيرت المواقف ولو بدرجة نسبية.
ومن جانب آخر فإن مكان قضية الفنون ووزنها النسبي ضمن قائمة القضايا والأحكام التكليفية المتعلقة بها سيختلف بالضرورة إذا نظرنا إليه في إطار خارطة الثقافة الإسلامية السائدة عما هو عليه الحال في إطار خارطة الثقافة التجديدية التي يتم تقديمها من خلال هذا البحث ولم اعتقدانني سوف انزله هنا في يوم من الايام0
كل الأفكار التي تم طرحها أو التي سيتم طرحها لاحقاً حول قيمة شورى المجتمع ومفهوم الحكمة ومنطق الإصلاح ومكانة العلوم الدنيوية وفقه المرأة وأولويات سلم القيم تجعل الفنون والأحكام التكليفية المتعلقة بها في مكانة ووزن نسبي مختلف.
إن من المهم أن نتخفف من التراث ومن صورة المجتمعات الإسلامية خلال القرون الماضية وأن نستحضر صورة عصرنا بكل معطياته وتفاصيله وأوضاعه الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية مهما كانت مصادمة لقيم أشربنا لها بدون ان نعود لنصوص الوحي. هذه هي الصورة التي ينبغي أن يؤتى بتكاليف وقيم الوحي إليها. و كل تغيير إيجابي يمس هذه الأوضاع المعاشة يعد تقدماً حقيقياً ومقدَّراً على طريق تمثل القيم والتكاليف المستمدة من الوحي .
ليس من المقبول ولا من الجائز إجهاض قيمة الحرية أو مصادرتها. ومثلما هو متاح اعتناق الدين أو عدم اعتناقه وأداء الشعائر التعبدية أو التقصير فيها والتقاعس بشأنها ، فإنه ينبغي أن يكون متاحاً التعبير عن الرأي والفكر والأوضاع والسلوكيات طالما أن ذلك التعبير يتخذ طابعاً سلمياً ويتم في إطار احترام قيمة شورى المجتمع .
إن التغيير الثقافي الإسلامي لن يؤدي إلى انقلاب طباع الناس ولا إلى اختفاء الإلحاد والفجور والمعاصي ، ولكنه يمكن أن يؤدي إلى إعادة ترتيب الاهتمامات وتغيير بعض المؤثرات الحاكمة للأمزجة والتصرفات والأوضاع وإلى توفير فرصة إحداث تغييرات متفاوتة في العادات والتقاليد . وكما قلنا فإن الأفعال والسلوكيات التي اكتفى الشارع بتحريمها أو إدانتها أو النهي عنها دون أن يتضمن الوحي عقوبات محددة لها ينبغي أن تخضع للمعالجة الإصلاحية لا للمعالجة العقابية . وحين نتحدث عن الإصلاح فإننا نعني الدعوة والتربية والحكمة والتدرج لا القمع والقسر . وبحكم الاختلاف الكبير بين المجتمعات الإسلامية على صعيد الأوضاع الثقافية والاقتصادية والاجتماعية فإنه لا يصح اللجوء إلى المعالجة العقابية حتى على صعيد الأفعال والسلوكيات التي وردت عقوبات محددة لها إلا إذا كانت المعالجة الإصلاحية قد تحققت أو أنها أصبحت في حكم المتحققة .
هذه المنطلقات تصدق على الواقـع الاجتماعي في عمومه ، وتصدق على الواقع الفني على وجه الخصوص . ولننظر في ضوء ذلك إلى قوله تعالى ( وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَـاوُونَ . أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ . وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ . إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) (1).
إن قولـه تعالى [ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ] لا يحمل إدانة مباشرة للشعراء بل يحمل إدانـة لاتِّباعهم ، أي التأسي والاقتداء بهم واقتفاء آثارهم . أما المبررات العقلية والخلقية التي تضمنها قولـه تعالى [ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ . وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ] فهي تجعل الحكم يصدق على أغلب وأهم الفنون وتوحي بضرورة امتـداد المحاكمات العقلية والخلقية إلى الفنون وأهلها . ومن جانب آخر فإن تلك المبررات تشير - بصورة غير مباشرة ، كما هو الحال في كل عطاءات الوحي الكامنة - إلى الطبيعة الخاصة للفنون ، وذلك من حيث طابعها الحالم والخيالي ، الأمر الذي يتطلب وجود معايير تسمح بإجراء محاكمات تراعي وجود تلك الطبيعة الخاصة .
سنتحدث لاحقاً عن المحاكمات العقلية ، أما المحاكمات الخلقية فإن إعادة التعريف ببعض المعطيات المتصلة بموضوعها من شأنه أن يسمح بالوصول إلى مستوى معرفي جديد في فهم معايير تلك المحاكمات .
وبأكبر قدر ممكن من الإيجاز والتحديد نقول : إن التكاليف المنظمة للجانب الخلقي تختلف عن غيرها من التكاليف ، وذلك من حيث طبيعة المضمون التكليفي الملزم الذي تحمله وكذلك من حيث الحكم المترتب على تطبيقه .
المضمون التكليفي الذي تحمله نصوص الوحي المنظمة للجانب الخلقي يشتمل - في تقديرنا - على درجتين من الالـتزام الواجب التطبيق . أولاهما درجـة أولية أو تأسيسية تتمثل في الالتزام بالضوابط الأخلاقية الشائعة اجتماعياً أو تحقيق درجة الاحتشام بحسب الأوضـاع السائدة في كل مجتمع . وهذه الدرجة تختلف من المنـزل إلى الأماكن العامة وأماكن العمل المختلفة إلى الفنون المقروءة والمسموعة والمرئية ، فكل التعبيرات والأوضاع والسلوكيات المحتشمة أو غير القادحة أخلاقياً بحسب الأعراف والعادات والتقاليد الشائعة سواء على صعيد الحياة الطبيعية أو على صعيد العطاءات الفنية فهي تحقق درجة التكليف الأساسية والأولية .
في الحياة الطبيعية هنالك أوضاع وسلوكيات لا تستوفي الضوابط الأخلاقية الشرعية إلا أنها تفي بمعايير الاحتشام المتعددة الشائعة اجتماعياً ، وفي العطاءات الفنية هنالك تعبيرات وأوضاع وسلوكيات لا تستوفي الضوابط الأخلاقية الشرعية إلا أنها لا تصنف اجتماعياً ضمن الانحرافات الخلقية . أما درجة الالتزام الثانية فتتمثل في استيفاء الضوابط الأخلاقية المستمدة من التكاليف الشرعية المنظمة للجانب الخلقي . وكما هو واضح فإن الجديد الذي نقدمه هنا هو القول بالمشروعية أو درجة الالتزام الأولية أو التأسيسية والتي تجسدها العطاءات والأوضاع والسلوكيات المحتشمة التي تتماشى مع الضوابط الأخلاقية العامة الشائعة في المجتمع المسلم ، وذلك في إطار الأعمال الفنية المقروءة والمسموعة والمرئية . ورغم أن هذه الدرجـة من الالتزام تتسم بالتنوع وعدم الثبات وتشتمل على قدر معين من الضبابية وعدم الوضوح على مستوى الحدود والفواصل فإنه يظل ممكناً تحديد جوهرها ومعطياتها العامة وملامحها الأساسية .
إن هذه الدرجة من الالتزام تقدم أوضح وأهم التعبيرات المجسدة للحكمة التي شرعت التكاليف المنظمة للجانب الخلقي من أجل تحقيقها .
هذا عن المضمون التكليفي الملزم الذي تحمله التكاليف المنظمة للجانب الخلقي ، أما بالنسبة للحكم المترتب على تطبيقه فإننا نعتقد أن تحقيق درجة الالتزام الأولية أو التأسيسية ( درجة الاحتشام ) من شأنه أن يُكسب العطاءات والأوضاع والسلوكيات المعبرة عن ذلك الالتزام قدراً نسبياً وجزئياً من وضع الحلِّ والإباحة ، وذلك بالقدر الذي يزيل الطابع المطلق والكلي لوضع الحرمة الذي توجد ضمن دائرته . وهنا يصبح من الضروري تناولها والحكم عليها باعتبارها محرمات جزئية ومباحات جزئية مجتمعة ، وإن كنا بحكم دواعي إبراز المعاني وتجلية الفوارق نفضل إطلاق مصطلح " المحرمات الجزئية " عليها .
هذه المحرمات الجزئية يمكن أن تضيق أو تتسع بالنسبة لمجسدي الأعمال الفنية ، وذلك تبعاً لمدى القرب من درجة الالتزام النهائية أو البعد عنها . أما بالنسبة للمتلقين لتلك الأعمال ( وكذلك المؤلفين ومن في حكمهم ) فإن نطاق المحرمات الجزئية يمكن أن يضيق كثيراً وأن تتقلص صوره في مقابل اتساع نطاق المباحات وتعدد صورها ، وذلك تبعاً للعديد من العوامل ، من أهمها مدى إسهام العمل الفني في تقديم ما يمكن أن يصرف الناس عما هو أسوأ ، ومدى اشتماله على جوانب تدخل في إطار المباح أو المندوب أو الواجب ، إضافة إلى مدى اقترابه من درجـة الالتزام التامة والمكتملة . وحين تصبح المحرمات الجزئية في موضع الشذوذ والندرة فإن صلاحية اتخاذها معياراً للحكم على سلوك المتلقين والمؤلفين ومن في حكمهم تنتفي ، ويصبح من الضروري ربط الحكم بما هو عام وسائد على مستوى العمل الفني .
بعد قليل الجزء الثاني0 دمتم بالف عافيه
هنالك عدة تصحيحات ينبغي إدخالها إلى عالم الوعي بقضية الفنون وهي :
- استحضار صورة الواقع المعاصر لا صورة العصور الماضية.
- إعطاء قضية الفنون والأحكام التكليفية المتعلقة بها مكانها ووزنها النسبي المناسب ضمن قائمة القضايا والأحكام التكليفية المتعلقة بجميع أقوال وأفعال المسلمين بحسب النظرة التجديدية التي يتم تقديمها من خلال هذا البحث
- مراعاة كون الأفعال والسلوكيات التي اكتفى الشارع بتحريمها أو إدانتها أو النهي عنها دون أن يتضمن الوحي عقوبات محددة لها ينبغي أن تخضع للمعالجة الإصلاحية لا للمعالجة العقابية.
- مراعاة كون كل الأمم والشعوب تحمل ميلاً نحو الفنون وتعلقاً بها وقدرة على إنتاجها.
إن من أهم أسباب نفور المسلم الحريص على التمسك بدينه من الفنون الحديثة - وخصوصاً المرئية منها – وما تسببه من زيادة الشعور بالغربة عن العصر وتعاظم الإحساس بالبعد عن الدين هو أن المثال الذي يحضر في الأذهان مستمد من صورة العصور السابقة بمعطياتها الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والسكانية. وبمجرد أن تكون هذه الصورة هي المقياس الذي يسهم في تحديد مدى ومقدار الصلاح والانحراف فإن النفور من الفنون يبلغ مداه ويزداد الشعور بالغربة ويتعاظم الإحساس بالبعد عن الدين. ولو أن المثال الذي يحضر في الأذهان مستمد من إنزال نصوص الوحي على صورة العصر الحديث بمعطياته الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والسكانية لاختلف الوعي ولتغيرت المواقف ولو بدرجة نسبية.
ومن جانب آخر فإن مكان قضية الفنون ووزنها النسبي ضمن قائمة القضايا والأحكام التكليفية المتعلقة بها سيختلف بالضرورة إذا نظرنا إليه في إطار خارطة الثقافة الإسلامية السائدة عما هو عليه الحال في إطار خارطة الثقافة التجديدية التي يتم تقديمها من خلال هذا البحث ولم اعتقدانني سوف انزله هنا في يوم من الايام0
كل الأفكار التي تم طرحها أو التي سيتم طرحها لاحقاً حول قيمة شورى المجتمع ومفهوم الحكمة ومنطق الإصلاح ومكانة العلوم الدنيوية وفقه المرأة وأولويات سلم القيم تجعل الفنون والأحكام التكليفية المتعلقة بها في مكانة ووزن نسبي مختلف.
إن من المهم أن نتخفف من التراث ومن صورة المجتمعات الإسلامية خلال القرون الماضية وأن نستحضر صورة عصرنا بكل معطياته وتفاصيله وأوضاعه الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية مهما كانت مصادمة لقيم أشربنا لها بدون ان نعود لنصوص الوحي. هذه هي الصورة التي ينبغي أن يؤتى بتكاليف وقيم الوحي إليها. و كل تغيير إيجابي يمس هذه الأوضاع المعاشة يعد تقدماً حقيقياً ومقدَّراً على طريق تمثل القيم والتكاليف المستمدة من الوحي .
ليس من المقبول ولا من الجائز إجهاض قيمة الحرية أو مصادرتها. ومثلما هو متاح اعتناق الدين أو عدم اعتناقه وأداء الشعائر التعبدية أو التقصير فيها والتقاعس بشأنها ، فإنه ينبغي أن يكون متاحاً التعبير عن الرأي والفكر والأوضاع والسلوكيات طالما أن ذلك التعبير يتخذ طابعاً سلمياً ويتم في إطار احترام قيمة شورى المجتمع .
إن التغيير الثقافي الإسلامي لن يؤدي إلى انقلاب طباع الناس ولا إلى اختفاء الإلحاد والفجور والمعاصي ، ولكنه يمكن أن يؤدي إلى إعادة ترتيب الاهتمامات وتغيير بعض المؤثرات الحاكمة للأمزجة والتصرفات والأوضاع وإلى توفير فرصة إحداث تغييرات متفاوتة في العادات والتقاليد . وكما قلنا فإن الأفعال والسلوكيات التي اكتفى الشارع بتحريمها أو إدانتها أو النهي عنها دون أن يتضمن الوحي عقوبات محددة لها ينبغي أن تخضع للمعالجة الإصلاحية لا للمعالجة العقابية . وحين نتحدث عن الإصلاح فإننا نعني الدعوة والتربية والحكمة والتدرج لا القمع والقسر . وبحكم الاختلاف الكبير بين المجتمعات الإسلامية على صعيد الأوضاع الثقافية والاقتصادية والاجتماعية فإنه لا يصح اللجوء إلى المعالجة العقابية حتى على صعيد الأفعال والسلوكيات التي وردت عقوبات محددة لها إلا إذا كانت المعالجة الإصلاحية قد تحققت أو أنها أصبحت في حكم المتحققة .
هذه المنطلقات تصدق على الواقـع الاجتماعي في عمومه ، وتصدق على الواقع الفني على وجه الخصوص . ولننظر في ضوء ذلك إلى قوله تعالى ( وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَـاوُونَ . أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ . وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ . إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) (1).
إن قولـه تعالى [ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ] لا يحمل إدانة مباشرة للشعراء بل يحمل إدانـة لاتِّباعهم ، أي التأسي والاقتداء بهم واقتفاء آثارهم . أما المبررات العقلية والخلقية التي تضمنها قولـه تعالى [ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ . وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ] فهي تجعل الحكم يصدق على أغلب وأهم الفنون وتوحي بضرورة امتـداد المحاكمات العقلية والخلقية إلى الفنون وأهلها . ومن جانب آخر فإن تلك المبررات تشير - بصورة غير مباشرة ، كما هو الحال في كل عطاءات الوحي الكامنة - إلى الطبيعة الخاصة للفنون ، وذلك من حيث طابعها الحالم والخيالي ، الأمر الذي يتطلب وجود معايير تسمح بإجراء محاكمات تراعي وجود تلك الطبيعة الخاصة .
سنتحدث لاحقاً عن المحاكمات العقلية ، أما المحاكمات الخلقية فإن إعادة التعريف ببعض المعطيات المتصلة بموضوعها من شأنه أن يسمح بالوصول إلى مستوى معرفي جديد في فهم معايير تلك المحاكمات .
وبأكبر قدر ممكن من الإيجاز والتحديد نقول : إن التكاليف المنظمة للجانب الخلقي تختلف عن غيرها من التكاليف ، وذلك من حيث طبيعة المضمون التكليفي الملزم الذي تحمله وكذلك من حيث الحكم المترتب على تطبيقه .
المضمون التكليفي الذي تحمله نصوص الوحي المنظمة للجانب الخلقي يشتمل - في تقديرنا - على درجتين من الالـتزام الواجب التطبيق . أولاهما درجـة أولية أو تأسيسية تتمثل في الالتزام بالضوابط الأخلاقية الشائعة اجتماعياً أو تحقيق درجة الاحتشام بحسب الأوضـاع السائدة في كل مجتمع . وهذه الدرجة تختلف من المنـزل إلى الأماكن العامة وأماكن العمل المختلفة إلى الفنون المقروءة والمسموعة والمرئية ، فكل التعبيرات والأوضاع والسلوكيات المحتشمة أو غير القادحة أخلاقياً بحسب الأعراف والعادات والتقاليد الشائعة سواء على صعيد الحياة الطبيعية أو على صعيد العطاءات الفنية فهي تحقق درجة التكليف الأساسية والأولية .
في الحياة الطبيعية هنالك أوضاع وسلوكيات لا تستوفي الضوابط الأخلاقية الشرعية إلا أنها تفي بمعايير الاحتشام المتعددة الشائعة اجتماعياً ، وفي العطاءات الفنية هنالك تعبيرات وأوضاع وسلوكيات لا تستوفي الضوابط الأخلاقية الشرعية إلا أنها لا تصنف اجتماعياً ضمن الانحرافات الخلقية . أما درجة الالتزام الثانية فتتمثل في استيفاء الضوابط الأخلاقية المستمدة من التكاليف الشرعية المنظمة للجانب الخلقي . وكما هو واضح فإن الجديد الذي نقدمه هنا هو القول بالمشروعية أو درجة الالتزام الأولية أو التأسيسية والتي تجسدها العطاءات والأوضاع والسلوكيات المحتشمة التي تتماشى مع الضوابط الأخلاقية العامة الشائعة في المجتمع المسلم ، وذلك في إطار الأعمال الفنية المقروءة والمسموعة والمرئية . ورغم أن هذه الدرجـة من الالتزام تتسم بالتنوع وعدم الثبات وتشتمل على قدر معين من الضبابية وعدم الوضوح على مستوى الحدود والفواصل فإنه يظل ممكناً تحديد جوهرها ومعطياتها العامة وملامحها الأساسية .
إن هذه الدرجة من الالتزام تقدم أوضح وأهم التعبيرات المجسدة للحكمة التي شرعت التكاليف المنظمة للجانب الخلقي من أجل تحقيقها .
هذا عن المضمون التكليفي الملزم الذي تحمله التكاليف المنظمة للجانب الخلقي ، أما بالنسبة للحكم المترتب على تطبيقه فإننا نعتقد أن تحقيق درجة الالتزام الأولية أو التأسيسية ( درجة الاحتشام ) من شأنه أن يُكسب العطاءات والأوضاع والسلوكيات المعبرة عن ذلك الالتزام قدراً نسبياً وجزئياً من وضع الحلِّ والإباحة ، وذلك بالقدر الذي يزيل الطابع المطلق والكلي لوضع الحرمة الذي توجد ضمن دائرته . وهنا يصبح من الضروري تناولها والحكم عليها باعتبارها محرمات جزئية ومباحات جزئية مجتمعة ، وإن كنا بحكم دواعي إبراز المعاني وتجلية الفوارق نفضل إطلاق مصطلح " المحرمات الجزئية " عليها .
هذه المحرمات الجزئية يمكن أن تضيق أو تتسع بالنسبة لمجسدي الأعمال الفنية ، وذلك تبعاً لمدى القرب من درجة الالتزام النهائية أو البعد عنها . أما بالنسبة للمتلقين لتلك الأعمال ( وكذلك المؤلفين ومن في حكمهم ) فإن نطاق المحرمات الجزئية يمكن أن يضيق كثيراً وأن تتقلص صوره في مقابل اتساع نطاق المباحات وتعدد صورها ، وذلك تبعاً للعديد من العوامل ، من أهمها مدى إسهام العمل الفني في تقديم ما يمكن أن يصرف الناس عما هو أسوأ ، ومدى اشتماله على جوانب تدخل في إطار المباح أو المندوب أو الواجب ، إضافة إلى مدى اقترابه من درجـة الالتزام التامة والمكتملة . وحين تصبح المحرمات الجزئية في موضع الشذوذ والندرة فإن صلاحية اتخاذها معياراً للحكم على سلوك المتلقين والمؤلفين ومن في حكمهم تنتفي ، ويصبح من الضروري ربط الحكم بما هو عام وسائد على مستوى العمل الفني .
بعد قليل الجزء الثاني0 دمتم بالف عافيه