PDA

عرض الاصدار الكامل : ما دونه الرحالة الغربيين عن الجزيره العربيه بالصور(ولفرثيسجر )و (برترام توماس)و غيرهم


مطنوخ
11 - 11 - 2009, 07:21 PM
اخواني واخواتي الكرام متصفحي واعضاء شبكتة النخبه والبوابة الاعلاميهة الاولى ببللسمر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في يلي نلقي نظره على الجزيره العربيه خلال القرون الماضيه ولكن هذي النظره سوف تكون بعيون غير عربيه وتحديدا بعيون غربيه (المستشرقين) ما يهمنا في تدوينهم هو فهم شي من الصورة في تلك الحقب التاريخيه ،اعلم ان هناك من يقول ان هاولاء الرحاله هم جواسيس للبلدانهم وانا لا انفي ذلك انما ما نتطرق له هو التوثيق وخاصه الصور ونحن نعلم جميعا بعدم وجود تصوير في ذلك الوقت سوا عن طريق الرحاله وفي ما يلي هو تجميع مني عبر النت وتدوين من بعض كتبهم المتوفره لدي خاصه المترجمه وهي قليله جدا :
ولفرد ثيسجر
مبارك بن لندن
1910 م ـــــ 2003م

http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Life&Times/2004.130.17285.2.jpg (http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Life&Times/2004.130.17285.2.jpg)




من الرحالة الغربيين المشهورين الذين زارواالجزيرة العربية، السير ويلفرد ثيسجر أو مبارك بن لندن كما سماه البدوالمرافقين له والذي قام بعدة رحلات الى البلاد العربية ومنها رحلته المشهورة لعبور الربع الخالي مرتين ،ورغم ان ثيسجر لم يكن اول من قام بعبور الربع الخالي بل سبقه الى ذلك كل من الرحالة الرائد برترام توماس والرحالة العظيم هاري سانت جون فلبي الا ان ثسجر وبحق وحسب رأي الكثير يعتبر الافضل في وصفه للبدو وطبيعتهم ورمال الربع الخالي لم يكتفي ثسجربتسجيل الظواهر الجغرافية للمنطقة التي مر بها بل انه عايش وبعمق حياة البدو الرحل من قبائل (المشقا ) وهو الاسم الذي تطلقه القبائل الشمالية في نجد والربع الخالي على بدو المناصيروبني كثير والرواشدوغيرهم من بدو الجنوب وهكذا تجرد ثيسجر من ثوبه الأوربي ليعيش مع القبائل العربية حياتهاالشاقة من الفترة 1945 إلي 1950. وليرتدي ملابس البدووالتي هي عبارة عن غترة وعقال بالاضافة الى خنجر عماني يلفه حول وسطه مع حزام من الرصاص لقد أحب ثيسجر مزاياالنبل والشجاعة والكرم في البدو وأقام معهم صداقات حميمة فاطلقوا عليه اسم مبارك بن لندن.مما دفعة لتأليف كتابة المشهو(الرمال العربية)

http://afdl.******.com/0.jpg (http://afdl.******.com/0.jpg)




غلاف كتابه ( الرمال العربية ) النسخه العربية

وقد يكون لمكان مولده ومرتع طفولته أثر كبير في تشكيل شخصيته وميوله نحو حياة البادية والاستكشاف، فمولد الرجل كما قال:كان في أحد بيوت الطين بمدينة أديس أباباعام 1910م حيث كان والده يشغل منصب الوزير المفوض هناك. وعاش بها حتى سن التاسعة، حيث انتقل إلى بريطانيا للدراسة وما إن انتهى ثيسجر من دراسته في كلية ماجدالين في أكسفورد حتى عاوده الحنين وهوفي سن الثالثةوالعشرين للتجوال الاستكشافي في مناطق الشرق الأوسط،وهنا يقول:بعد أيام الصبافي الحبشة، قمت برحلة إلى بلاد "الدناقل" وعملت في السودان ثم سنحت فرصة السفر إلى الربع الخالي في المملكة العربية السعودية خلال لقاء تم أيام الحرب العالمية الثانية مع رئيس قسم مكافحة الجراد في الشرق الأوسط.
والمتتبع لرحلات ثيسجر يدرك أن هناك رابطاً ما نسج بينه وبين الصحراء العربية والثقافة البدوية يتجلى ذلك في وصفه لبعض مغامراته بقوله: استحوذتني وتملكتني الصحراء للمرة الأولى عندما كنت مسافراً في جبال الحجاز صيف عام 1946م، وقبل أشهر كنت قد نزلت إلى حافة الربع الخالي، حيث عشت لفترة مع البدو حياة صعبة قاسية... لقد تذوقت طعم الجوع والعطش والحرارة والبرد خلال هذه الأشهر الستة.


http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.12990.3.jpg (http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.12990.3.jpg)




صورة لعبور الربع الخالي - يناير 1948

وبعد تلكم المشاق لا يخفي ثيسجر سروره بالوصول إلى منطقة عسيرفي عام 1946م حيث يقول:لكني الآن أصبحت في عسير، أقف على جانب جبل مغطى بالغابات حيث الزيتون البري وأشجار العرعر، وجدول ماء ينساب في المنحنى، مياهه مثلجة على ارتفاع تسعة آلاف قدم، إنه نقيض الصحراء الرملية القاحلة الشاسعة. فهنا تنبت الورود البرية الياسمين وصريمة الجدى ذات الأزهار الغنية بالرحيق والأزهار البرية الصفراء والفاتحة والبنفسجية وهناك حقول القمح والعنب والخضار وعلى مبعدة مني ضباب أصفر يخبئ الصحراء إلى الشرق. ومع ذلك الجمال الطبيعي للبيئة التي كان يقف عليها في عسير، إلا أن خياله لا يزال مشتغلا بالتخطيط لعبور الربع الخالي...!


http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.6232.3.jpg (http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.6232.3.jpg)




صبي قرب (أم الخشب)، يرتدي قبعة من سعف النخيل، ويمسك برباط يستخدمه لقنص الطيور (السعودية 1946م)

وعبر رحلاته العديدة هنا في صحارى الجزيرة العربية، نسج ثيسجر علاقات وصداقات متينة مع البدو وعند نشره لكتابه الشهير الرمال العربيه فضل تقديم إهدائه إلى دليليه في معظم رحلاته إلى عمق الصحراء "ابن كبينة" و"ابن غبيشة" وقال: يظل هذا الكتاب بالنسبة إلي تذكاراً لماضٍ ولّى، وتحية لشعب كان رائعا.

http://www.mekshat.com/pix/upload/images31/mk32709_bengband.jpg (http://www.mekshat.com/pix/upload/images31/mk32709_bengband.jpg)




ابن غبيشة وبن كبينةأصدقاءالمؤلف

يتضح مما تحتويه الأعمال الضوئية لهذا الرحالة من بروتيرهاتمقدارالصداقات التي بناها مع زعامات وشخصيات في الخليج العربي مثل الشيخ زايد بن سلطان والشيخ صقر القاسمي والشيخ راشد بن سعيد المكتوم وغيرهم كثير، تؤكد هذه العلاقة الدعوات المتكررة التي تلقاها ثيسجر من هذه الشخصيات حيث زار دولة الإمارات وسلطنة عمان في عامي 1977 و1990م وأقيم لبعض أعماله معارض خاصة في المركز الثقافي البريطاني برعاية سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.
حيث أنجز ثيسجر خلال رحلاته العديد من الدراسات والمشاهدات من أهمها الرمال العربية وعرب الأهوار ووسط الجبال ورؤى بدوي وغيرها، ومن هذه الكتب ما أعيد طباعتها أكثر من مرة، وذلك بالإضافة إلى ما نشر من دراسات في مطبوعات غربية كالمجلة الجغرافية، وأثمرت رحلاته أيضاً عن نحو 3000 صورة فوتوغرافية لبعض المدن والقرى والجبال والصحارى في أنحاء الجزيرة العربية.

http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.22188.3.jpg (http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.22188.3.jpg)




الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (رحمة الله عليه) الإمارات1948 - 1949م


وقد تمكن مبارك بن لندن من التقاط هذا الكم من الصور بواسطة كاميرا واحدة من نوع "لايكا 2" التي لازمته منذ عام 1934 حتى عام 1959م وهنا استبدلها بكاميرا أخرى من نوع "لايكافليكس" والطريف أن هذا العملاق المتجول لم يستخدم في حياته فلاش الكاميرا كما أنه لم يتعامل مع الأفلام الملونة قط، وذلك لقناعته بالقدرات التعبيرية لأفلام الأبيض والأسودبوصفها قادرة على إتاحة تباينات غير متوقعة لكل مشهد يتم تصويره تبعا لدرجة الإضاءة المتاحة في المكان.

http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.31523.3.jpg (http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.31523.3.jpg)




بدو في روضة تنها.. السعودية عام 1945م

حصل ولفريد ثيسجر على العديد من الأوسمة والألقاب منها وسام الخدمة المتميزة، وميدالية ليفينجستون من الجمعية الملكية الجغرافية الأسكتلندية، ومن الجمعية الملكية الآسيوية ميدالية بيرتون ميموريال لورانس العرب كما فاز بجائزة هاينمان وبعضوية الجمعية الملكية للآداب ودرجة دكتواره شرفية من جامعة ليستر وباث، ثم منح في عام 1968م لقب كوماندر أوف بريتيش إمباير ومنح عام 1995م لقب فارس الإمبراطورية البريطانية.. و ميدالية بورتونالتذكارية من معهد السياتيك الملكي. و أنعمت عليه الملكة إليزابيث ملكة بريطانيا بلقب سير و قلد وساما ملكيا في عام 1995 وغيرها.
وبعد خمسة أعوام قضاها في التنقل والترحال ذهب ثيسجر إلى أهوار العراق وكردستان ثم أفغانستان فكينيا حيث أعجبته الحياة فقرر قضاء بقية عمره هناك.
صوربالفلاش للرحال مبارك بن لندن ومرافقيه (http://arabsh.com/jfcs3h3xb3ku.html)

يقول مبارك بن لندن عن الطبيعة القاسية للصحراء؟
تتجمع سحابة ويتساقط المطر فيعيش الناس. وتتبدد الغيوم بلا مطر، فيموت أناس وحيوانات. ففي صحاري جنوب الجزيرة العربية لا يوجد نظام للفصول. فلا صعود ولا هبوط في النسغ، بل قفار خالية حيث تشير الحرارة المتغيرة وحدها إلى مرور السنين. إنها أرض قاسية وجافة، لا تعرف شيئاً عن اللطف أو الراحة،ومع ذلك عاش فيها أناس منذ أقدم العصور. أما الأجيال التي ولت، فقد تركت حجارة سودتها النار في مواقع الخيام، كماتركت بعض الآثار الواهنة للأقدام المطبوعة على سهول الحصباء. وفي أماكن أخرى، مسحت الرياح آثار أقدامهم. يعيش الناس هناك لأنه العالم الذي ولدوا فيه،والحياة التي يعيشونها هي الحياة التي عاشها أسلافهم من قبلهم،فهم يتقبلون المشقات والحرمان ولا يعرفون سبيلاً آخر.
ماذا قال بن لندن عن أمانةالبدو؟
كنت أضع النقود في أكياس من الخيش مربوطة بخيوط ثخينه،وكان الخرج مفكوكا، ومع أن رفاقي كانوا في فقر مدقع فان النقود ظلت في آمان كما لوكانت مودعة في أحد المصارف، لقد أمضيت خمس سنوات مع البدو ولم افقد مليما واحدا أوحتى رصاصة، مع أن قيمتها تفوق في نظرهم قيمة النقود
ماذا قال بن لندن عن تناقل البدو للأخبار؟
ما هي الأخبار هذا هو السؤال الذي يلاحقك فيالصحراء ولو كنت بين غرباء، وإذا سنحت الفرصة أمام البدو فإنهم على استعداد للتحدث لساعات. ولا وجود لتكتم في الصحراء فإذا تميز رجل فانه يعلم أن شهرته ستنتشر في كل مكان، وإذا أساء لنفسه فهو يعلم بان قصته سوف تتردد في كل الخيام. إن هذا الخوف من الرأي العام هو الذي يفرض تقاليد الصحراء القاسية في جميع الأوقات. وإن وعيهم بأنهم دائما أمام جمهور من المستمعين هو الذي يجعل الكثير من تصرفاتهم متكلفة
..

http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.12386.3.jpg (http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.12386.3.jpg)




رجال ينقلون بضائع في (وادي بايد) السعودية، 1947م


http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.17664.3.jpg (http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.17664.3.jpg)




نساء من (العوامر)الإمارات ابريل 1948م

يقول عن الملك الموحد عبدالعزيز بن عبدالرحمن غفر الله له
قال كان أعظم ملك في تاريخ العرب يحكم الجزيرة العربية.وقد قام ثيسجر بزيارة المملكة العربيةالسعودية وبالذات منطقة الحجاز وعسير التي امضى فيها فترة عندما طلب أذن للقيام بالرحلة ولكن لم يتم الموافقة عليها ، ولكن ثيسجر قام بالرحلة وعند وصوله الى منطقة السليل تم القاء القبض عليه وأودع هو ورفاقة السجن لدخوله البلاد بصورةغير مشروعه ولكن صدرت الأوامر باطلاق صراحه وتابع الرحلة الى ابوظبي .
مبارك بن لندن يعود مرة اخرى
في عام 1977م عاد بن لندن مرة اخرى الى الخليج العربي فقام بزيارة عمان والإمارات والتقى برفاق الرحلة بن كبينة وبن غبيشة ولأن السنوات تحسب بضعفها في دول الخليج فقد وجد الوضع متغيراً والشباب الذين كانوا برفقته اصبحوا في سن الشيخوخه اماحياة البادية والمجتمع القبلي وشظف العيش فقد ولت الى الابد واصبحت دول الخليج في مصاف الدول المتقدمة ليترك كل ذلك اثر عميق في نفس الرحالة ،
ثم قام مرة اخرى عام 1990م بزيارة الى ابوظبي ليفتتح معرض للصور التي التقطها في تلك الفترة والتي تزيدعن 3000 صورة توثق حياة الانسان في الخليج والجزيرة العربية وقد توفي الرحالة مبارك بن لندن في عام2003م وذلك عن عمر يناهز 95 عاماً


الرحاله بعد عودته في السبعينات مع بن كبينة

صوره تجمع الشيخ سالم بن كبينة والرحالة ولفرد ثيسيجر بعد خمسين عام


الصحفى علي العمودى من صحيفة الاتحاد الملحق الثقافي عمل حوار مع ( ويل فريد ئيسجر ) مبارك بن لندن

كيف عرفت الأمن و أنت تحدث عن قطاع الطرق و الغزوات المتبادلة بين القبائل ؟
يقول أن هؤلاء الرجال الذين رافقوني شبوا وترعرعوا على قيم إفتداء ضيفهم بكل ما تحمله الكلمة من معنى و بكل رجوله ، و مجرد أن تكون في حمى أحدهم فقد كان ذلك يكفي لأن تنام ملأ جفنيك رغم ما يتربص بك . و يقول ثيسيجر لقد دونت كل مالدي بحق الأرض و ما فيها في كتابي الأول ( الرمال العربية ) الذي كتبت نسخته الأولى متنقلا ما بين الدانمارك و إيرلندا ما بين عامي 1957 و 1958 و ساعده على إعادة صياغته و ترتيبه جراهام واتسون و صديق آخر

http://www.alrashdi.net/images/moaleef.jpg (http://www.alrashdi.net/images/moaleef.jpg)






http://alamal13.******.com/3333.jpg (http://alamal13.******.com/3333.jpg)




ابن مبارك مع مرافقيه

وعن كتابه الجديد يقول السير ولفرد ثيسيجر أن الفضل فيه يعود إلى ناشرأعمال الذي أفصحت له عن عثوري على صور جديدة لرحلاتي عبر الربع ا لخالي واتفقنا على تضمينه كتابا جديدا قررنا تسميته ( عبور الرمال ) و أهديته كماذكرت إلى صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إمتنانا لما غمرني به علما بأن كتابي الأول الذي صدرت طبعته العربية الأولى العام 1991 كان برعاية و دعم من ديوان صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والكتاب الجديد و هو باللغة الإنجليزية يعد أضافة متميزة للمكتبةالعالمية عن الصحراء العربية في منطقة الخليج و الجزبرة العربية ، و يتضمن وصفا رائعا لرحلات مبارك بن لندن عبر الصحراء و حياة القبائل فيها آن ذاك ، كما يصف المدن الساحلية و الواحات الداخلية التي مر بها سواء عبر الصحراء أوفي المناطق الساحلية و الواحات الداخلية للإمارات و سلطنة عمان ، و اليمن .
و الكتاب يتضمن صورا نادرة لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلتقطها ثيسيجر لسموه خلال رحلة لصيد الصقور ، و كذلك صور لمدينيتي أبوظبي و دبي في الأربعينات و العديد من الصور الجميلة و النادرة و التي يناهز عددها المئة والخمسين صورة بين دفتي الكتاب .
و مما تجدر الإشار إليه إلى أن صور السير ولفرد ثيسجر تعد دعامة لإرشيف خاص عن المنطقة أقيم بمكتبة جامعة أكسفورد بدعم من صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان


غلاف كتاب عبور الرمال


هويدا عطا وكتاب (مرافقوا مبارك بن لندن يتكلمون..عابروا الربع الخالي )

منذ تركت جزيرة العرب سافرت عبر شعاب كراكورام وهندوكوش في جبال كردستان ومستنقعات العراق، مدفوعا دائما إلى الأمكنة البعيدة، حيث لا تستطيع السيارات الوصول، وحيث لا يزال يعيش شيء من العادات القديمة، ولقد رأيت قسما من أروع المناظر في العالم، وعشت بين قبائل عجيبة وغير معروفة، ولكن واحدا من هذه الأمكنة لم يهزني كما فعلت (صحراء الجزيرة العربية). هذا ما قاله ويلفرد ثيسجر المعروف باسم مبارك بن لندن في كتابه «الرمال العربية» وبعد وفاة مبارك بن لندن، وبعد ما يقارب خمسين سنة من قيام الرحالة الإنكليزي ولفريد ثيسجر «مبارك بن لندن» باستكشاف صحراء الربع الخالي وعبورها قامت الشاعرة هويدا عطا باستكمال تلك الرحلة. ومن خلال كتاب «عابرو الربع الخالي ـ مرافقو مبارك بن لندن يتكلمون» الصادر عن دار السويدي ضمن سلسلة سندباد الجديد قامت عطا بإلقاء نثرات ضوء معاصرة على الظروف التي أحاطت بها . وذلك من خلال لقاء الرجال الأربعة الذين رافقوا الرحالة وكانوا دليله ومساعده وحارسه في ذلك العبور الذي أفلح رواده في قهر الصعاب والانتصار على أخطر منطقة من «الرمال العربية» كما سمى مبارك بن لندن كتابه الغني الممتع الذي روى فيه يوميات تلك الرحلة وملامح من علاقته اليومية بأولئك الفتيان الذين رافقوه وكان لهم الفضل الأكبر في نجاح الرحلة.
والرحلة استغرقت خمس سنوات في حساب الرحالة وسبع سنوات في حساب مرافقيه الذين واجهوا فيها الموت قتلا وجوعا وتيها وظمأ. ابن كبينة و ابن غبيشة و عمير بن عمر ومحمد صالح بن كلوت هؤلاء هم الرجال الذين صحبوا مبارك بن لندن وهو يقطع صحراء الربع الخالي حافيا فيصور ما يحلو له من مناظرها ويدون في كراسته مشاهداته وانطباعاته لينشرها في كتابه «الرمال العربية» بينما تدون هويدا عطا شهادات مرافقيه، وكل شهادة من الكتاب تمثل فصلا بدءا من سالم بن كبينة الذي جاءت شهادته بعنوان «عبر ابن لندن قلوبنا قبل الربع الخالي».

http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.15893.3.jpg (http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.15893.3.jpg)




سالم بن كبينه،الذي رافق ثيسجر في رحلة عبور الربع الخالي في 1940
سلطنة عمان، 1977م

وسالم بن كبينة من أعيان قبيلة الرواشد تجاوز السبعين بقليل، لكنه يعود إلى الوراء أكثر من خمسين سنة، و يحكي عن رحلته الشهيرة مع مبارك بن لندن: «كنا أربعة أشخاص نرافق مبارك بن لندن رافقناه مدة سبع سنوات في فترة الشتاء فقط ،فعندما يحل فصل الشتاء في الإمارات كان يجيئنا ابن لندن، ويبدأ رحلته من حيث انتهت ،وعندما يحل الصيف كان يعود إلى بلاده. كان عمري 13 سنة عندما اختارني لمرافقته الرحلة، لأصبح فيما بعد المفضل لديه، كنت أذهب معه أربع مرات إلى صحراء الربع الخالي من الإمارات إلى عمان وبالعكس وهنا اذكر استقبال المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لنا في مدينة العين عندما دعمنا بالأموال والسلاح والزاد وهذا ما كان له أثر كبير في نجاح الرحلة».

http://gsx1300rqtr1.******.com/115.jpg (http://gsx1300rqtr1.******.com/115.jpg)




سالم بن كبينة

يقول الشيخ سالم بن كبينة ، لقد كان مبارك بن لندن و هكذا كان نسميه خلال فترة وجوده معنا واحدا منا ، و جدناه صبورا على قدرةهائلة من التحمل و الصبر و أنتم تعرفون قسوة الحياة و شظف العيش خلال تلك الأيام ولكنه كان رجلا صاحب هدف صبر و تحمل كل ذلك لأجل أن يحقق االهدف من رحلته بعبورالربع الخالي و حول التفاهم معه قال ابن كبينه كان مبارك بن لندن يتحدث معنا باللغةالعربية التي كان يجيدها و بلهجة أهلها ، كان واحدا منا في ملبسة و مأكله و مظهره ،، كان يأكل معنا السمك المجفف الذي يختلط به التراب و الرمال وسط الصحراء ، و يشرب من تبك الأوعية الحديدية التي كنا نحتفظ بالمياه فيها و لكنه اليوم و بعد أكثر من 40 عاما من عدم تحدثه باللغة العربية نسيها ، و سعدنا برؤيته مرة أخرى في بلادنا ،وقد اختلف الحال فيها عما كان عليه
ويرى ابن كبينة أن رحلة ابن لندن ورفاقه قد دخلت التاريخ من أوسع أبوابه لما لها من مكانة بين الاكتشافات الجغرافية في العالم.
واختارت هويدا عطا عنوان «خاف البدو من الطائرة فتركوني وحيدا» للفصل الذي يتحدث فيه ابن غبيشة عن ذكرياته مع بن لندن مشيرا إلى رحلته الأخطر تلك التي بدأت من حضرموت إلى السعودية ومنها إلى أبوظبي وفيها تعرضنا لمخاطر شديدة وصعوبات شتى في الحصول على الماء والطعام.
وينتقل ابن غبيشة للحديث عن مغامرة الطائرة، ركبت الطائرة من صلالة إلى حضرموت، ومع أن مبارك بن لندن طلب من بعض البدو أن يرافقوني من صلالة في الطائرة لكنهم رفضوا أن يركبوها معي وخافوا، فلم يكن أحد من البدو قد ركبها من قبل فكنت الوحيد الذي ركبت الطائرة، وفي ذلك الوقت كانوا يعتقدون أن من يركب الطائرة ميت لا محالة. وأشار بن غبيشة إلى أن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان كان قد منح مبارك بن لندن وساما تقديرا لجهوده الثمينة في اكتشاف المناطق العربية. كما ذكر أن ابن لندن كان وحده من يحدد مسألة التصوير، وكان يختار المكان والوقت والجهة، وحقيقة لا أدري سبب اهتمامه بأماكن معينة دون غيرها، ونحن كنا نفعل ما يريده وفي أي مكان يقف، أو عليه كنا نصوره.. وكان يعجبه.

http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.6882.3.jpg (http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.6882.3.jpg)




سالم بن غبيشه، الذي رافق ثيسجر في رحلة عبور الربع الخالي
مارس - مايو 1947م سلطنةعمان



بن غبيشه

وعن رحلته مع ابن لندن قال: «وهبت نفسي كدليل للرحالة الانجليزي ابن لندن في غزوه لتلك الصحراء القاحلة، وأتذكر عندما توجهنا من حضرموت إلى حذر قابلتنا قبيلة الصاعر، وبعد أن مكثنا يومين هناك رفضوا أن يخرجوا معه الى السعودية وعمان والإمارات.وذلك بسبب الأخطار المتربصة في الطريق والتي يتعرض لها الإنسان في كل لحظة، وأولها الذبح. فقد كان يرغب ابن لندن في زيارة «الجبل الأخضر» في عمان إضافة إلى أبوظبي والسعودية .ووقفنا معه ووافقنا على مرافقته دون خوف أو تردد. فعندما اختارنا ابن لندن رغب في أن نكون معه في كل شيء.
وعن دوره كمصلح اجتماعي خصص فصلا للحديث عن حكايات عمير بن عمر الذي رافق ابن لندن في كل رحلاته التي بدأها من صلالة إلى الرملة. ومن صلالة إلى حضرموت ، ومن صلالة إلى المكلا ، ومن حضرموت إلى أبوظبي، واستغرقت الرحلة الأخيرة 3 شهورو18 يوما،وكان عمير يبلغ من العمر حينها 17 سنة.

http://www.mekshat.com/pix/upload/images31/mk32709_oge.jpg (http://www.mekshat.com/pix/upload/images31/mk32709_oge.jpg)




العوف دليل الرحلة

أما الاسم الذي أنقذ ابن لندن من السجن فهو محمد بن صالح بن كلوت الرفيق الرابع لرحلة مبارك بن لندن وهو من عائلة كبيرة وثرية في السعودية .والده صالح بن كلوت وأخوه كان لهما مغامرة مع الرحالة الإنجليزي الأسبق «برترام توماس» أما نصيبه كما قال فهو مع مبارك بن لندن: «كان عمره حينها أربعين سنة .وأتذكر يوم جاءنا إلى ظفار ، وعندما بدأنا في التحرك لعبور الربع الخالي بمنطقة «منواخ» جاءنا أمر منع من الأمير عبد العزيز بألا نسير في الربع الخالي.
ثم عاد ابن لندن إلى دياره ، وبعد انتهاء الصيف جاءنا مرة أخرى إلى ظفار ، فذهبنا معه إلى المكلا. وكان قد جاء متخفيا من لندن ، وكذب علينا قائلا: إنه يريد الذهاب إلى السعودية ، وعندما وصلنا أرض الصاعر وحاولنا مع بعض رجال القبيلة لمدة أسبوعين أن يسهلوا عبورنا ويساعدوننا فرفضوا فانزوى مبارك بن لندن في مكان بعيد عنا وأخذ يبكي بقهر ولا يدري ما يفعل. عندئذ تدخلت أنا وعرفتهم بنفسي وقدمت لهم بعض الهدايا وطلبت منهم أن يكلفوا رجلين من الصاعر ليرافقوننا. وبالفعل وافقوا ، وذهبوا معنا حتى بئر الحسي. وفي منطقة السليل تم القبض علينا وحجزونا في السجن ، وكان لجهودي الأثر البالغ في الخروج من هذا المأزق. وقد أكد مبارك بن لندن في كتابه ، إنني شيخ الرحلة وحلال المشاكل كما أني لا أنسى ذلك اليوم الذي أنقذته فيه من خمسة وثلاثين رجلا من قبيلة الدروع. ويستمر ابن كلوت بالحديث عن نوادر الرحلة ، ومخاطرها وانطباعات المرافقين دون الحديث المفصل عن أهمية الاكتشافات التي رافقت هذه الرحلة.

http://www.alrashdi.net/images/6.jpg (http://www.alrashdi.net/images/6.jpg)




الشيخ صالح بن كلوت (باللام المشدودة)الراشدي الكثيري مع ويلفريد ثيسنجر الرحالة البريطاني


http://www.alrashdi.net/images/7.jpg (http://www.alrashdi.net/images/7.jpg)




الشيخ محمد بن صالح بن كلوت الراشدي الكثيري يصافح رفيق الرحلة مبارك بن لندن

هنا ما كتبه الصحفي ماهر حسن عن كتاب هويدا عطا (http://www.akhbarelyom.org.eg/adab/issues/698/0801.html)



http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Life&Times/Thesiger.RDF.2.3.jpg (http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Life&Times/Thesiger.RDF.2.3.jpg)




السير ولفريد سيثجر (مبارك بن لندن) الصورة أخذت في لندن عام 2002> وتوفى عن عمر ناهز الثالثة والتسعين في لندن يوم الأحد 24/8/2003

بعض الصور التي إلتقطها (مبارك بن لندن ) أثناء رحلته

http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.12454.3.jpg (http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.12454.3.jpg)




بيوت في (أبوعريش)، تم بناءها من مواد النخيل، مربوطه بالحبال. (السعودية، 1947)



http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.3330.3.jpg (http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.3330.3.jpg)




الشريط الساحلي في المكلا. اليمن عام 1946


http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.6145.3.jpg (http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.6145.3.jpg)




مشهد لبيوت الطين في الظهران الجنوب بالسعودية عام 1946


http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.17157.3.jpg (http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.17157.3.jpg)





مشهد من شبام مع مسجد في الخلفية اليمن، نوفمبر 1947م


http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.3022.3.jpg (http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.3022.3.jpg)





الرحالة مرافقي ثيسجر في الربع الخالي،منهم:عبدالله بن مسعد، سعيدبن مسلم وسلطان (عمان 1946م)


http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.15717.3.jpg (http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.15717.3.jpg)





اشخاص يعملون في حقل (ملح)اليمن، 1977م


http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.6824.3.jpg (http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.6824.3.jpg)




(سالم بن تركيه) يعمل على صنع حبل مستخدماً صخرتين كمطرقة وسندان، بينما (مسلم بن عنوف) يشاهده سلطنة عمان، 1947م




http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.3086.3.jpg (http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.3086.3.jpg)




سالم بن كبينة الذي رافق ثيسجرفي رحلته اليمن عام 1946


http://gsx1300rqtr1.******.com/116.jpg (http://gsx1300rqtr1.******.com/116.jpg)




بن كبينه مع بعيره



http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.15883.3.jpg (http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.15883.3.jpg)





سالم بن غبيشه، سلطنة عمان، 1977م
دمتم جميعا بالف عافيه

مطنوخ
11 - 11 - 2009, 07:53 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الربع الخالي { حقائق بالصور } :-

هنالك الكثير من الأحاديث النبوية التي ربطت بين حقائق علمية وقيام الساعة، لتكون هذه الحقيقة العلمية دليلاً على أن يوم القيامة لا بد أن يأتي، يكشف هذا البحث حقائق جديدة في علم المناخ تأتي لتشهد على صدق هذا النبي الأمي صلى الله عليه وسلم وذلك من خلال الصور التي التقطتها الأقمار الاصطناعية :-




http://i251.photobucket.com/albums/gg286/wakad1/50/al_khali_1.jpg

صورة بالقمر الصناعي لصحراء الجزيرة العربية، وهذه المنطقة هي الأكثر جفافاً وخطورة في العالم، ولا يمكن لبشر أن يتوقع أن هذه المنطقة كانت ذات يوم تعج بالحياة والأنهار والغابات الكثيفة والمروج التي تمتد لآلاف الكيلو مترات :-




http://i251.photobucket.com/albums/gg286/wakad1/50/al_khali_2.jpg

أرسلت وكالة ناسا ذلك القمر الصناعي التابع لهم، وبدأ بالتقاط الصور بالأشعة تحت الحمراء، وبالأشعة الراديوية وباستخدام كل التقنيات المتاحة لديهم، وبعد أن أخذوا الصور ( هذه الصورة تظهر لنا ما تحويه الأرض على عمق عدة أمتار تحت الرمال وتغطي مساحة 8000 كيلو متر مربع من الربع الخالي ) وعندما قاموا بعرض هذه الصور وجدوا أشياء عجيبة . فقد وجدوا أن هذه المنطقة فيها آثار كثيرة لأنهار قديمة ( أنهار كانت تتدفق بغزارة ). ووجدوا آثاراً لبحيرات أيضاً . وقد تم تلوين الأنهار باللون الأزرق في الصورة :-




http://i251.photobucket.com/albums/gg286/wakad1/50/al_khali_3.jpg

تغطي صحراء الربع الخالي 650 ألف كيلو متر مربع، ويقول العلماء : ( إن هذه المنطقة وبسبب تغير دورة الطقس سوف تعود إلى وضعها السابق أي كما كانت ) يعني كانت مغطاة بالأنهار، وبعد فترة ستعود هذه الأنهار كما كانت، إذاً نحن أمام دليل مادي موثوق، أن هذه المنطقة كانت مغطاة بالأنهار وسوف تعود كما كانت عليه، وهذا ما أشار إليه الحديث النبوي قبل أربعة عشر قرناً : ( لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً ) :-




http://i251.photobucket.com/albums/gg286/wakad1/50/al_khali_4.jpg
بداية هذا النهر من اعالي الحجاز من هنا جبال السروات وادي
بيشة العظيم وهو اول النهر المشار اليه اعلاه (مطنوخ)

صورة بالقمر الصناعي LANDSAT لجزء من صحراء الربع الخالي ويظهر عليها أنهار مدفونة تحت الرمال، وقد التقطت هذه الصورة وكالة الفضاء الأمريكية ناسا عام 1993 وأثبت العلماء بواسطة هذه الصور أن جزية العرب كانت مروجاً وأنهاراً !! ويقول الباحثون إن منطقة الربع الخالي تحوي أكبر حقل نفط في العالم !! وأنها من الممكن أن تزدهر مستقبلاً ( وهذا ما عبر عنه النبي الكريم بقوله " تعود " ) !!! :-




http://i251.photobucket.com/albums/gg286/wakad1/50/al_khali_5.jpg

صور ملتقطة بالقمر الصناعي التابع لوكالة ناسا تبين أن منطقة الصحراء العربية كانت أيضاً مغطاة بالأنهار والبحيرات والمراعي، ويقول العلماء إن هذه المناطق أهملها الناس خلال مئات السنين لأنهم اعتقدوا أنها صحراء منذ أن خُلقت ولا يمكن لشيء أن يوجد فيها . وهنا نتساءل : مَن الذي أوحى لمحمد صلى الله عليه وسلم بهذه المعلومة التي لم يكشفها إلا علماء وكالة ناسا بعد 1400 سنة ؟ !!! :-

فكما أنكم ترون بأعينكم هذه الصور التي التقطتها الأقمار الاصطناعية لجزيرة العرب ولأكثر المناطق خلواً في العالم ( صحراء الربع الخالي ) ورأيتم ما تحويه من آثار لأنهار ومروج وبحيرات . وأن النبي صلى الله عليه وسلم عندما حدثكم عنها وقال لكم : ( لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً ). فإن هذه الظاهرة لم تكن معلومة أبداً من قبل، لم يكن أحد يتصور أن المنطقة الأكثر جفافاً في العالم كانت مروجاً وأنهاراً، بل الأعقد من ذلك أن هذه الصحراء ستعود كما كانت !! إذاً هذا الحديث يشهد على نبوة المصطفى عليه الصلاة والسلام في هذا العصر :-

منقول الوصف من صحيفة الشرق الاوسط بتصرف مني انا مطنوخ
دمتم جميعا بالف عافيه

abu fawaz
11 - 11 - 2009, 08:24 PM
شكرا استاذي الكبير مطنوخ على هذا النقل الجميل

عاشق التحدي
11 - 11 - 2009, 11:24 PM
تذكرني هذه الصوره بمجموعة من الشخصيات الهامه في الموقع وانت اول واحد في اليمين
اخي مطنوخ كتاب رائع لذلك نسخته علشان اقراءه على رواق لك احلى بوسه على يبهتك http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.3022.3.jpg (http://www.prm.ox.ac.uk/ThesigerWeb/images/Arabia/2004.130.3022.3.jpg)

مطنوخ
11 - 11 - 2009, 11:53 PM
شكرا استاذي الكبير مطنوخ على هذا النقل الجميل

ولك الف شكر اخي الكريم
والحبيب الدعم الفني على تواجدك المبكر
دمت بالف عافيه

مطنوخ
12 - 11 - 2009, 01:10 AM
التالي تجميع من الانترنت عدد من المواقع نشرت المقالات التاليه
الفائده كمراجع في الجلوجيا وعلم الانسان القديم وتاريخ الجزيره المناخي
الجهد مني في التجميع والتنسيق فقط!!
مطنوخ

المناخ القديم في الربع الخالي
كان فترة عصر البلايستوين الأعلى مطيرة في شبه
الجزيرة العربية والمناطق المدارية على العموم، وقد
تركت هذه الفترة آثاراً إيجابية كثيرة في عدة ظاهرات ،
ولقد استدل علماء المناخ القديم هذه الفترة عن طريق
دراسة المصاطب القديمة والمناطق الرملية في المملكة
العربية السعودية ، حيث وجدوا طبقات من الحصى
والحصباء تغطي طبقة الطمي في مصاطب أكثر أودية
جنوب وشرق الدرع العربي ، وكذلك وجدوا تكوينات من
التربة في المراوح الرسوبية وعلى المصاطب وفي
بعض الكثبان الرملية مما يشير إلى وجود غطاء نباتي
كثيف في تلك المناطق في الماضي. وفي هذه الفترة
المطيرة تكونت - أيضاَ- البحيرات وقد دلت التواريخ
الكربونية على أن هذه البحيرات قد شهدت أعلى منسوب
من المياه في هذه الفترة .
بحيرات الربع الخالي والحياة الفطرية[/font]
تكونت البحيرات في الربع الخالي بسبب الأمطار [/SIZE]
الغزيرة التي كانت تسببها الرياح الموسمية ، ويعتقد بأن
الرياح الموسمية قد تحركت نحو الشمال مرتين على
الأقل خلال عصر البلايستوسين . ولم تكن بحيرات الربع
الخالي بعمق بحيرات شرق أفريقيا فقد كان يتراوح
عمقها بين مترين إلى عشرة أمتار ويؤكد العالم
الجيولوجي مكلور بأنه كان هناك أكثر من الف بحيرة .
وقد كان فيلبي في كتابه "الربع الخالي Empty
Quarter" أول من صرح بوجود بقايا لضفاف بحيرات
مع بعض أدوات العصر الحجري في أماكن متفرقه
ومننعزله من الصحراء فهو يقول " استطيع تصور
الرجل البدائي على ضفاف نهر قديم أو بحيرة يمارس
منة الصيد مستخدماً رماحه وأقواسه ليصطاد الحيوانات
التي قدمت لتشرب من المياه المتوفرة. لقد تزامن بناء
الحضارة في صحراء الربع الخالي مع حضارات عظيمة
أخرى كالتي بنيت في مصر وبلاد الرافدين ، ولكنها ما
لبثت أن أصابها كوارث الجفاف فقضت عليها". وقد دلت
الحفريات على تأكيد وجود حياة البحيرات في الربع
الخالي. فمن الحفريات التي وجدت في بطون البحيرات
أسنان فرس النهر وكأنها قد فقدت بالأمس ، والثور
طويل القرن ، والماعز والأغنام البرية ، والحمير
الوحشية ، والجمال ، والمها ، والغزلان .
الأحوال المناخية
يسود في المناطق الداخلية للمملكة العربية السعودية
مناخ صحراوي ذي خصائص قارية حيث يتميز
بالحرارة الشديدة خلال فصل الصيف والبرودة الشديدة
خلال فصل الشتاء مع اعتدال في درجة الحرارة خلال
فصلي الربيع والخريف القصيرين .ويبلغ المتوسط العام
لدرجة الحرارة في مدينة ليلى بالافلاج 26م وفي
الخماسين في وادي الدواسر 26م ، وتزيد درجات
حرارة الصيف عن هذا المعدل بكثير حيث قد تصل
أعلى درجة حرارة في يوليو مثلاً إلى 45م ، وتصل
أدنى درجة حرارة في شهر يناير إلى 1م أو أقل ولو
نظرنا إلى الفصول الأربعة فإن متوسط درجة حرارة
الشتاء تبلغ 16.7 م وفصل الربيع 25.2 م وفصل
الصيف 35.2م والخريف 27.2 م في كل من ليلى
والخماسين . وتقل الرطوبة كثيراً في المناطق الداخلية
لبعدها عن مصادر الرطوبة . ولا يتعدى متوسط الرطوبة
النسبية العامة في ليلى 34% وفي الخماسين 29% وهي
ترتفع في الشتاء حيث يصل المتوسط الى 54% في ليلى
و47% في الخماسين ، وذلك لانخفاض درجة الحرارة
وتقل كثيراً في فصل الصيف حيث يصل متوسط
الرطوبة النسبية إلى 16% فقط في ليلى و14% في
الخماسين وتهطل أمطار قليلة في المناطق الداخلية حيث
لايتعدى في المتوسط 73مم في ليلى و54مم في
الخماسين ، يسقط معظمها خلال فصلي الشتاء والربيع .
ويعد فصل الصيف فصل جفاف طويل حيث تنقطع
المنخفضات الجوية الحركية القادمة من البحر المتوسط
نتيجة سيادة المرتفع الآزوري عليه خلال فصل الصيف
. وقد تمر سنوات طويلة بدون نزول أمطار مما يسبب
قحطاً شديداً ، كما أنه قد تسقط أمطار فجائية وشديدة
تجري منها الأودية والشعاب على شكل جارف ولهذا
فسقوط الأمطار في المناطق الداخلية للمملكة العربية
السعودية غير منتظم الميعاد وكميته غير محدده .
واخيراً اتمنى ان تعم الفائد الجميع والله من وراء القصد
المخلص المحب للجميع
__________________
عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئب إذ عوى
وصَوَّتَ إنسانٌ فكدتُ أطيرُ

"في الربيع المُبكر، هنا، في الربع الخالي
جبريل يؤرجح عصاه على الظهور المُحدّبة
للسحب العالية. السحب التي تهدر كالجمال
الغاضبة وترعد نحو حقول الفلاحين.
في الليل، أحلمُ بالعشب مُخضوضراً
يتكلم.
ولكن في الظهيرة، حتى ثرثرة الجِن المُملَّة
تهجر بطون الأودية.
الشمسُ تدلّي دلوها، رغم أن جسدي
هو البئر الوحيدة في هذه البيداء".
[جون كانادي]

"عندما عدت إلى عُمان وأبوظبي عام 1977، وذلك للمرة الأولى منذ غادرت المنطقة في 1950، تملكني الامتعاض وخيبة الأمل بسبب التغيرات التي أحدثها اكتشاف وإنتاج النفط. فأسلوب الحياة البدوية التقليدية التي عشتها مع "الرواشد" لمدة خمس سنوات لا تنسى، انتهى إلى غير رجعة بعد دخول وسائل النقل الحديثة."
[ويلفرد ثيسجر]

______________________________

قبل أسبوع من وصول الثنائي جيمس وزوجته سالي ورفيقيهما غراهام وزوجته إيلين إلى فندق قصر البستان في مسقط هاتفني سالم قائلاً بأن الفرصة أضحت مواتية إن كنت راغباً في تحقيق حُلمي بعبور الربع الخالي. قلت على الفور: ومن يُفوِّت تلك الفرصة؟.. ثم أخبرني بالتفاصيل: جيمس وصديقه غراهام من علية القوم في بريطانيا، بل إن سالي تمت بصلة قرابة إلى عائلة "سبنسر" التي تنتمي إليها الأميرة ديانا زوجة تشارلز وليّ العهد الذي يبدو أنه لن يتمكن في يوم من الأيام من اعتلاء العرش مادامت جدته (الملكة الأم) على قيد الحياة، مضيفاً في مهاتفته التي هبطت عليَّ من السماء: سأعطيك فرصة مُرافقة البدوي ناصر في سيارة الإسناد، وما عليك إلا أن تأتي خفيفاً إلا من قلمك ووُريقاتك البيضاء، إن كان هَمُّ تسجيل وقائع رحلة كهذه ما زال قائماً.
هكذا انطلقنا من مسقط صبيحة الثالث من فبراير 1999 في رحلة سياحية المسعى، قصيرة الأجل إلى الربع الخالي مُروراً بالمنطقة الداخلية وأهم حواضرها التاريخية: جبرين وحصنها الأعجوبة المعمارية، بُهلا وسُورها الممتد حول نخيلها وقلعتها المشيّدة قبل عهد الإسلام الأول، مِسْفاة العبريين المعلّقة بقدرة قادر على سفح الجبل الأخضر، تنوف.. ونزوى، عاصمة عُمان القديمة في عهد الأئمة، وصولا حتى صلالة عاصمة إقليم ظفار في أقصى جنوب عُمان، مروراً بمحميّة المها العربي في المنطقة الوسطى.
عَبرنا نزوى رافعين أيادينا تحية لقلعتها مستمرين في الطريق، مروراً بفَلَج(1) دارس المتحدرة مياهه العذبة من عروق أطراف الجبل الأخضر وصولاً، في عربة التسيار، إلى بُهلا ومنها إلى بلدة جبرين حيث المقصد: حصن جبرين، تلك المتاهة المعمارية التي ألقى بها اليعاربة في ذلك المكان، دونما تعليل يُفسر تعقيد هندستها المعمارية التي يصعب تصديق عفوية بنائها. لقد كان الحصن الذي بناه الإمام بلْعَرب بن سلطان بن سيف اليعربي عام 1680 قصراً فخماً يقيم فيه، وهو مكون من بنائين منفصلين وُصِلا بعد ذلك وسُدّت نوافذه وأبوابه الخارجية لتقام الأبراج والزوايا حتى تحول ذلك القصر إلى قلعة حصينة.
اجتزنا، فيما لا عد لهُ من الدّرج والطوابق في متاهات ذلك القصر الأسطوري، ذلك الحصن الذي سيعطينا الفرصة فيما بعد للتباهي أمام العالم بتلك اللحظة التاريخية التي اجترحَها اليعاربة في كبسولة امبراطورية كانت قابلة للانفجار بسرعة، المدرسة أو الجامعة ومسجدها الخاص وسكن "المتعلمين" في الطابق العلوي المُشرع على السماء، الطابق الذي تؤمهُ القصائدُ الحُرة في مديحِ حصان الإمام، تكيات الملوك في مجالس استقبالهم (مجلس الشمس والقمَر)، السراديب والطوابق السرية حيث يستطيع الجُند إذا ما احتُلَّ الحصن، الانتقال بالذخيرة بين برج وآخر في زوايا الحصن الأربع دون أن يكتشفهم العدو، والهبوط من درجٍ آخر بعد المُرور على مربط الحصان الذي يعلو سجن النساء، في نهاية الجولة.. للمُرور بقبر الإمام الذي تستبق خطوات الوصول إليه واجهةٌ جصِّية مُثلّثة روعي في تصميمها أن لا يستطيع رؤيتها سوى الهابط من ذلك الدرج إلى قبر الإمام، حيث يستطيع أن يقرأ البيتين المنقوشين على تلك الواجهة الجصية:

ولا بُدّ أن أسعى لأشرف رُتبةٍ
وأحجُبَ عن عيني لذيذ مَنامي
وأقتحمَ الأمْرَ الجَسيمَ بحيث أن
أرى المَوت خلفي، تارةً، وأمامي

الإمام اليعْربيّ الذي اكتفى بقبرٍ بالكاد يتعرف إليه الزائرُ على يسار المدخل الرئيس، شاهدا مُتواضعا على عَظَمة عصره، دون أن ينسى مَحْوَهُ بالكامل لكل أثرٍ يدلُّ على المعماريّ الذي أنجز لهُ تلك المأثرة التاريخية، تاركاً ذلك الفضاء الشاسع والمُعجِز الذي يُزنِّر بلدة جبرين مَهْمَهاً مُحتمَلاً لمن ضلَّ في متاهته تلك.
في طريق عودتنا من حصن جبرين توقفنا أمام قلعة بُهلا التي كانت قيد الترميم آنذاك. وهي واحدة من أقدم قلاع عمان، وقد بُنيت في العصر الجاهلي وتمتاز بسورها العظيم الذي يمتد مسافة سبعة أميال تقريبا ، وفي عهد دولة النباهنة بنيت القصبة الشرقية ولا يزال سورها قائماً إلى اليوم، وتم إدراجها، مؤخراً، ضمن قائمة التراث العالمي. التقطنا الصور الفوتوغرافية للقلعة وسورها (الصّيني؟) المُحيط بـ بُهلا نخيلاً وجبالاً وسهلاً كتنّين مَسَّهُ السحرُ البُهلوي قبل ظهور الإسلام عائدين، لنصّاعد الطريق المؤدي إلى مسفاة العبريين حيث سأكون خفيفا وساحرا كحكاية سمعتها تحت أذان المسجد المعلَّق فوق الممرات الظليلة لـ المسفاة، وتسبيح خرير الوُضوء بين الجدران الطينية المرصوصة على حجارة ضخمة يكاد المارُّ أسفلها يظن أنها ساقطة عليه لا محالة، كما هي حال النخلات المائلة بدلال ضفائرها التي تكسر قسوة الصخر فيما تضخِّمُ هديرَ الماء في الوادي الجاري بعيداً في الهاوية، وهي ترقِّق صوت مجرى الفلَج الهابط بحركة لولبية تجعله يمر أسفل المسجد المُعلّق ليشرب الشارب ويتوضأ المتوضئ في جنة مُعلقة، كأنما بضربة موسيقية يرددها كورس من طيور الوادي وماعزه وصدى ثعالبه في الكهوف.
خفيفاً سأكون لأروي حكاية سمعتها هناك تحت خرير الوضوء من شيخ مُسن استدرجه اهتمامي بالمسفاة وحكاياتها القديمة، أثناء انتظاري قرب المسجد لرفاق الرحلة الذين ذهبوا بعيداً أسفل الوادي وأعلاه لالتقاط الصور.
يقول، أو تقول الحكاية: إن ساحراً مشهوراً من بُهلا (الشهيرة بالسحر وحكاياته) أراد أن يُباهي بقوة سحره ساحراً آخر من مسفاة العبريين التي وصلها ذات يوم على متن ديكٍ عملاق مُحمّلٍ بجِرابين كبيرين مليئين بالتمر، هدية منه لساحر المسفاة. طرق باب صديقه وخصمه فلم يجده في البيت، لكن صبيّة في الخامسة عشر من عمرها ردت عليه من وراء الباب: أبي غير موجود، فقد سافر إلى البندر. رد عليها، وهو مُمتطٍ ديكَهُ المثقل بجرابي التمر: "قولي له عندما يعود أن فلاناً الفلاني من بهلا زاره للتسليم عليه، وهذان جرابان من خيرة تمر بهلا هدية له". ردت عليه الصبية: "هل لك، يا عمّ، أن تنتظر قليلاً؟"، ثم خرجت من البيت واقتادته إلى مكان قريب من الوادي لتمُدَّ أمام ناظريه شعرةً من خصلاتها بين نخلتين يفصل بينهما ذلك الوادي. كانت الشعرة أطول بكثير من توقع الساحر، لكن ما لم يخطر في باله (وهو الساحر) أنها أمرت ثوراً كان يحرث في الجوار أن يعبُر الوادي على متن تلك الشعرة المعلقة. وقد فعل الثور ذلك بكل سكينة، قاطعاً الفراغ بثقله الهائل دون أن يسقط من على تلك الشعرة، مستمراً في حرث حقل الضفة الأخرى، غافلاً عن انتقاله الفيزيقي والميتافيزيقي من حقل صاحبه إلى حقل آخر.
عندها، ودون أن ينبس ببنت شفة، قفلَ ساحرُ بهلا عائداً بعد أن فاقته الصبية سِحرا.(2)
ينقسم السحر في الذاكرة الشعبية في عُمان إلى مدرستين: "العُلاّم والظّلاّم"، فقد اشتهر العلامة جاعد بن خميس بمعرفته الصوفية، وبقدرته على اجتراح الخوارق: كأن يرسم خطاً على الرمل ثم يطلب من أحدهم أن يجتازه فيجد نفسه بلمحة عين في زنجبار. وهو مثال على سحر "العُلام". فضلاً عن أن كثيراً من أبناء جيلي يتذكرون في طفولاتهم تحذير أهاليهم من السحرة و"المَغايبة" – والأخيرون هم الموتى المسحورون الذين يظهرون في الليل لزيارة منازل ذويهم. وكثيراً ما يُقال عن فلان أنه لم يمت ميتة ربّه، وأنه حيٌّ يُرزق في كهوف الجبال في هيأة "مُغيَّب". والساحر عادة ما يكون شخصاً معروفاً وذا اعتبار في القرية، لكن لا أحد يجرؤ على التفوّه بتلك الحقيقة أمامه. وليس غريباً أن يصف لك سُقاة الفلج الليليون مصادفتهم لفلان الفلاني الذي سبق لأهل القرية أن دفنوه قبل أسبوع أو أسبوعين. وعندما كنا، نحن الأطفال، نسأل عن جثمان الميت يُقال لنا: ذاك جذع نخلة، أما الميت فلم يمت بعد، لأنه أضحى مُغيَّباً.(3)
هبطنا من المسفاة عائدين إلى نزوى لنمُرَّ ببلدة تنوف التي لا يتذكر اسمها الجيل الجديد إلا من اسمها الشائع الذي أطلِقَ على أول شركة تطرحُ المياه المعدنية في الأسواق. زرنا أطلال القرية التي دكتها طائرات الإنكليز في حرب الجبل الأخضر منتصف القرن الماضي. ولم نجد بين أطلالها عربة "الفورد" الخمسينية تلك التي سبق لي مشاهدتها في زيارة سابقة طللاً معدنياً متأكسداً ومثقوباً بالرصاص تماماً كما هي حالُ الجص والطين المتغضنة في وجوه القرويين.
بين تلك الأطلال (التي تحيل الرائي إلى الشعر العربي الجاهلي: الهجرُ والهجيرُ متحققان في الصورة الشعرية إلى أقصى بؤرة في العدسة) – بين تلك الأطلال تابعنا التسيار بمحاذاة ساقية الفلج المعلق بين الجبل والوادي العريض الذي عَبَره كل من سالم وناصر بسيارتيهما إلى الضفة الأخرى من الوادي حيث التقينا بهما بعد تسيارنا الطويل بمحاذاة الجبل لنتناول غداءنا الخفيف تحت سدرة ظليلة.
بعد استراحتنا تلك واصلنا المسير إلى نزوى. توقفنا قرب فلج دارس لنغتسلَ في مياهه ونستمتع بمحاولة تفسير جريانه المُتأرجح بين جن الملك سليمان ونظرية الأواني المستطرقة حيث يلهو ويتنزه تمويهٌ طُبوغرافي بين الأسطورة والحقيقة العلمية، لنزور قلعة نزوى والسوق التقليدي المتاخم لتلك القلعة الخرافية التي أفسد حضورها التاريخي والرمزي جامع حديث البناء ألصِق دونما سبب وجيه بالقلعة؛ حتى أنه لم يعد ممكناً لأمهر الفوتوغرافيين التقاط صورة توحي بقِدَم تلك القلعة، رغم أن الجامع القديم الذي أقيم على أنقاضه مسجد الاسمنت الجديد كان جزءاً من كُلٍّ يتناغم في فنه المعماري والقلعة والحصن ومدرسة القرآن والسوق التقليدي والحوائر المحيطة بها.
القلعة التي شيدها الإمام سلطان بن سيف اليعربي، ثاني أئمة اليعاربة، وذلك عام 1668 م. والتي استغرق بناؤها 12 عاما، ويبلغ قطرها 27 مترا وارتفاعها 34 متراً. ومما يميز قلعة نزوى أن لها سبعة أبواب، كما أنها تحتوي على عدد من الآبار وبها مجموعة من المرامي والمساقط حتى يتمكن المقاتلون من صَبِّ الزيت أو العسل المغلي على الأعداء في حال محاولتهم اقتحامها. أما حصن نزوى الملاصق للقلعة فقد بناه الإمام الصلت بن مالك الخروصي عام 803 م ثم قام الإمام ناصر بن مرشد اليعربي عام 1640 م بتجديده.
القلعة التي لن أجد لها مُنافساً تعبيرياً سوى ما قلته في رحلة الأندلس عن قصر الحمراء في غرناطة بأنه "واصفٌ وموصوف، مكتملٌ بذاته ولذاته"، لأنها ربما كانت الوحيدة التي ظلت رمزاً حاول تمثل ديموقراطية الإسلام الأول، في محاولة يائسة بين الجبال، شاء القدر أن يُبقيها في الاشتراط النزيه لانتخاب الأئمة في المذهب الإباضي حتى أواخر الخمسينيات من القرن المنصرم.

برترام توماس وجون فيلبي

من المصادفات التاريخية التي سيبدو سردها، هنا، ذا فائدة وطرافة هي أنه لولا مقالة لـ باكون يقترح فيها إمكانية عبور الربع الخالي بالمنطاد لكان بيرسي كوكس أثناء رحلته بين "عبري" و"أدَم" في العام 1905 أول من سيحظى من الأوروبيين بريادة اكتشاف الربع الخالي بعد أن وافق رفاقه البدو على مرافقته في تلك الرحلة، لكنه تراجع عن تلك الفكرة بعد أن قرأ تلك المقالة، كما يروي في مقالة له نشرت في "المجلة الجغرافية" عام 1925. لذلك تسابق كل من برترام توماس وجون فيلبي في ثلاثينيات القرن العشرين من الألفية الثانية لعبور الربع الخالي، تلك الصحراء التي سماها العرب الأقدمون مفازة صَيْهَد. لكن برترام توماس هو من فاز بإحراز قصب السبق حين اجتاز بيداء الربع الخالي من صلالة حتى قطر عام 1931، تاركاً لمنافسه جون فيلبي عكس رحلته تلك باجتيازها بعد عام واحد فقط من الشمال إلى الجنوب. وقبل ذلك بكثير استطاع الرحالة جيمس ويل ستيد عام 1835، الذي لم يعبُر الربع الخالي، أن يرصُد من قمة الجبل الأخضر المشهد المترامي لذلك الربع قائلاً في وصفه: "سهول شاسعة من الرمال المتحركة الفضفاضة تمتد على مرمى البصر، والتي في اجتيازها حتى البدويّ الشديد بالكاد يجرؤ على المجازفة. لا هضبة ولا حتى تغيير للون السهول يمكن أن يحدث، لكسر المظهر الموحش والثابت لهذا المشهد".(4)
لكن الرحالة البريطاني ويلفرد ثسيجر(5) هو الوحيد الذي استطاع اجتياز تلك البيداء بشاعرية وحُب قل نظيرهما، وبوصف لمّاح لحياة البدو الذين رافقوه فشرب من مشربهم ولبس ملابسهم وتعلم لغتهم، في محاولة منه للتماهي مع حياتهم التي أسَرَتهُ وأضحت ذكراه الطيبة الوحيدة من هذه الحياة التي تتغير باستمرار ولا تتيح لأولئك البدو إلا أن يغيروا نمط حياتهم كما يروي في كتابه الشيق "الرمال العربية" عن رحلتيه اللتين عَبَر فيهما الربع الخالي مرتين بين 1946 - 1948 منزعجاً من هول المصير الذي سيؤولون إليه بعد اكتشاف النفط في الجزيرة العربية.

"مع اكتشاف النفط أصبح من الممكن للبدو أن يجدوا المال الذي كانوا يحلمون به، ويحصلون على المبالغ الوفيرة بالجلوس في الظل وحراسة أحد المستودعات، أو القيام بعمل أسهل كثيراً من سقي الجمال العطشى من بئر شبه جافة في فصل الصيف. لقد توافر الكثير من الطعام الطيب والمياه الحلوة وساعات النوم الطويلة. ولم تكن هذه الأشياء متوافرة إلا فيما ندر، وعلاوة على ذلك فإنهم يحصلون الآن على المال. إن الحب الذي كان في دمهم للحرية والمغامرات جعل معظمهم يعود إلى الصحراء، لكن الحياة صارت صعبة أكثر فأكثر، وقد تصبح قريباً لا تطاق.
هنا في الجنوب، كان البدو لا يزالون غير متأثرين بالتغييرات الاقتصادية في الشمال، لكنني كنت أعلم أنهم لن يستطيعوا تفادي التأثيرات لمدة طويلة من الزمن. وكان يبدو لي أنه لأمر مأساويّ أن يصبحوا نتيجة الظروف الخارجة عن إرادتهم نوعاً من البروليتاريا الطفيلية، يقرفصون حول حقول النفط، بكل قذارة وعفونة المدن الفقيرة في بعض أكثر مناطق العالم جدباً. فأفضلُ صفات العرب جاءتهم من الصحراء، ألا وهي إيمانهم الديني العميق الذي وجد تعبيره في الإسلام، وإحساسهم بالانتماء الذي يربطهم كأشخاص يعتنقون الدين نفسه، واعتدادهم بجنسهم، وكرمهم وحسن ضيافتهم، وكرامتهم وحرصهم على كرامة الآخرين كإخوانهم في الإنسانية، وطيب معشرهم وشجاعتهم وصبرهم واللغة التي يتكلمونها وحبهم الحماسي للشِّعر".
[ويلفرد ثسيجر – الرمال العربية]


بعد انطلاقنا من نزوى توقفنا في محطة البنزين الأخيرة قبل انطلاقنا النهائي في طريق مسقط – صلالة. ملأنا خزانات الوقود في السيارتين حتى التخمة، دون أن ننسى الخزانات السوداء الكبيرة سعة 25 ليتر الموزعة بالتساوي، ماء وبنزين، على سقف السيارتين. تأكد سالم من أن كل شيئ على ما يُرام: الركاب، البضائع، الوقود، الماء، ضغط الهواء في العجلات، صندوق الإسعافات الأولية، إلخ قبل انطلاقنا في الطريق الطويل الذي لا ينتهي إلا بعد 850 كلم في صلالة. لكنه صراط مستقيم سيتعيّن علينا الإنحراف عنه بعد مائة كلم يميناً في الطريق الترابي المؤدي إلى "فهود" (أقدم حقول النفط في عُمان) حيث تنتهي بعده كل الطرق مهما افترعها الإنسان بآثاره في الربع الخالي.
كانت الشمس كعادتها الأبدية تقترب من المغيب، وكان على سالم، قائد الرحلة، اختيار مكان مناسب في السَّاح للتخييم قبيل حلول الظلام لقضاء الليلة الأخيرة قبل الانعتاق من الحياة المألوفة والإنطلاق إلى مجهول الربع الخالي. وكما هو الحال في كوكبة الأفلام التي يرتاد الرجل الأبيض فيها مجاهل إفريقيا وغاباتها بين الحيوانات المفترسة، كان سالم مُستعداً بخيامه الرشيقة سهلة الفك والتركيب، بالمقاعد التي لا يجلس، عادة، عليها إلا مُخرج الفيلم، والطاولات الأكثر جُهداً من أكياس النوم الوثيرة في نهوضها على قوائمها الأربع؛ حيث كان على الملاعق والسكاكين والأطباق والنبيذ والشموع أن تأخذ حيزها الكلاسيكي الملائم، تماماً كما لو كان الأمر برُمَّته خاضعاً لأوامر مُخرج خلف الكاميرا في الكاميرون أو عروشا أو مُمباسا. وقد كان لذلك التنظيم وقع السحر على الإنكليز الذين لم يتوقعوا ذلك الطقس وهم يقضون ليلتهم الأولى على تخوم الربع الخالي، مستمتعين باحتساء المشروبات التي روَّحت عن أرواحهم القلقة بعض الشيئ لمعرفتهم بخطورة عُبور الربع الخالي برفقة عُماني تناهى إلى مسامعهم أنه الوحيد القادر على ذلك.
كنا مُنفصلين طوال اليوم الأول من الرحلة. سالم والإنكليز الأربعة في سيارة "اليوكُون"، وأنا وناصر في سيارة "الجيب"، أو سيارة الإسناد، لكن الليل والطقس البَهيّ الذي أعده سالم هو ما دعانا إلى رفع براقع الكلفة واستدرار حليب التعارف الذي نسجته، ولا بد، تلك الحاجة إلى التفاهم والتعاون إذا ما حدث ما لا تحسب عُقباه، حيث ستكون الأولوية لـ ناصر مثلاً، وليس لـ سالي، إذا ما أضحى الوجود في عَدمه خالياً من كل شيئ عدا التفاتة من ناصر إلى طريق وهمي بين الكثبان قد تقودنا إلى بئر مالحة في عز العطش.
عاد جيمس من تطوافٍ حول المكان ليسأل سالم عن "مِنيو" العشاء، فأجابه باقتضاب: خضار. لكنه، في الواقع، كان يُحضر لهم وجبة لم تخطر على بالهم في ذلك المُنبَسط: أضلع غنم مشويّة مع بطاطس مغلفة بالألومنيوم قمت أنا بدفنها وشيِّها في الجمر بعد أن احتطبنا شجيرات من السَّمُر، إضافة إلى يخنة خضار وخبز "باغيت" فرنسي لم يتوقع الضيوف أنهم سيتناولونه طازجاً في ذلك المكان. أبدى الجميع إعجابهم بتلك الوجبة حتى أن غراهام صرّحَ في وقت لاحق بأنها أفضل أضلع مشوية التهمها في حياته.
التحق بي غراهام قرب إحدى شجيرات السَّمُر (الأكاسيا) وقد اطمأن إلى أحوال الرحلة في يومها الأول بسبب توجسه من أسوأ الاحتمالات التي خبِرها في آسيا وإفريقيا. سرد عليَّ تقريباً قصة حياته التي لم تكن تهمني على الإطلاق، لكن إنكليزيتي التي راقته جعلت مني ضحية مناسبة له. أخبرني، وهو يقدم لي سيجاراً من نوع "كوهيبا" الفاخر، أنه مالك امبراطورية مالية ممتدة من لندن حتى هونغ كونغ، وأنني مُرحبٌ بي في أية شقة هنا أو هناك، مُسترسلاً في حُبه للمال بشرحٍ وافٍ حول الصراع بين الدولار واليَن وكيفية استثمار ذلك الصراع لكسب المزيد من المال. وهو أمر لم أكن لأفهمه على الإطلاق. كما أنه، في تلك اللحظة، لم يفهم إطلاقاً سبب عدم اكتراثي بدولاراته وجنيهاته الإسترلينية، تلك الفائضة عن مُبتغاي من تلك الرحلة التي ظن بعقليته الضيقة أنني عضو وُجد في تخومها لخدمته. وشتان بينه وبين صديقه جيمس، ذي الأصول الإيرلندية، ذلك الألمعيّ الصّامت الذي يُدرك وينتقد مثالب صديقه المترف، كما سيتبين لي لاحقاً.

أتعس بئر في تاريخ النفط

بعد أن تناولنا إفطارنا في الصباح الباكر انطلقنا نحو فهود بمحاذاة خط النفط: طبيعة جرداء إلا من شجيرات صغيرة وتلال من الحجر الرملي الصلد تظهر وتنقطع بين الفينة والأخرى. أرض سبخة لم نر بها إلا ألسنة اللهب المتوهجة من أبراج حرق الغاز الفائض في حقلي "فهود" و"جبال". واصلنا المسير في الطريق الترابي حيث على المركبات إشعال المصابيح في وضح النهار، كما جاء في لوحة إرشادية لـ "شركة تنمية نفط عُمان" لم تكترث من كثرة الغبار، لفصلٍ واحدٍ من الفصول الأربعة التي كانت تتلى في ستيريو الجيب بوحي خفيٍّ من فيفالدي.
بعد ساعة من التسيار وصلنا إلى تكوين مُحدب من الصخور الرسوبية قطره من 3 - 4 كيلومترات تتوسطه أقدم بئر نفط في عُمان (فهود-1) حفرتها شركة نفط العراق في 1956 التي أضحى اسمها فيما بعد PDO - شركة تنمية نفط عُمان. وهو موقع مثالي من الناحية الجيولوجية نظراً لأن تلك الدائرة من تلال الصخور الرسوبية تشف عن وجود حوض مثالي للمصايد النفطية. لكن البئر لم تدلق قطرة نفط واحدة بعد أن بلغ عمقها 3000 متر، فتخلت الشركة عنها رغم أنها عقدت عليها آمالاً كبيرة. لكن ما لم يدر بخلد أحد يومذاك هو أن تلك البئر الأولى كانت على بعد بضع مئات الأمتار من حقل نفطي هائل يبلغ مخزونه عدة بلايين من البراميل، ولذلك وُصفت في أدبيات شركات النفط بأنها "أتعس بئر في تاريخ النفط في الشرق الأوسط"..
فقد تم، بالفعل، اكتشاف النفط بكميات تجارية عام 1964 في بئر (فهود–2) التي لم تكن تبعد عن الأولى سوى 1500 متر، ليُصَار إلى تصدير أول شحنة من النفط العُماني في السابع والعشرين من يوليو عام 1967 على ظهر الناقلة "موسبرينس" من "سيح المالح" القريب من مسقط.(6)
في ذلك المكان تذكرت والدي عندما روى لي موقف قبيلة الدروع التي حاصرت مواقع الحفر ومنعت المهندسين والعمال من الإستمرار في العمل مطالبة بحقها من ريع ذهبها الأسود، لولا أن تفاهما تم بعد مفاوضات صعبة بينهم وبين مندوب أوفده لزعماء قبيلة الدروع سلطان عُمان السابق سعيد بين تيمور(7).
التقطنا الصور التذكارية أمام نصب هرمي من الإسمنت تتوسطه لوحة كُتب عليها: (فهود-1). بعد ذلك واصلنا المسير جنوباً لملاقاة طريق ينحرف بنا دائرياً إلى الغرب، ثم إلى الشمال الغربي في نصف دائرة للوصول إلى حقل "الهويسة" النفطي، لكننا أخفقنا في الوصول إليه بسبب تشابك آثار الطرقات التي ترسمها سيارات شركات النفط وسيارت البدو.
توقفنا بعد أن تعب سالم من محاولاته الكثيرة للعثور على الطريق الصحيح بسبب تغير طبوغرافية أرض الله الشاسعة وطُرقاتها الجديدة حول حقل "الهويسة" منذ آخر عُبور له قبل عامين. أخرج الخرائط التفصيلية الكبيرة وفرشها على غطاء محرك اليوكون في محاولة منه لتحديد موقعنا مُستعيناً، في الوقت ذاته، بجهاز Global Positioning System الذي يستطيع تحديد مكاننا بدقة متناهية وفق الإشارات التي تلتقطها أذناه مباشرة من الأقمار الإصطناعية باللعب الجغرافي السماوي في إحداثيات الطول والعرض ومقارنتها بذات الإحداثيات التي لم يتمكن الإدريسي من تعيينها على خريطته. فوجد أن الطريق الذي سلكناهُ يبعد حوالي 70 كيلومتراً عن الطريق الآمن الذي سيمكننا من اجتياز رملة "أم السّميم". هكذا أضعنا ساعتين في الهواء الطلق باحثين عن تلك الطريق التي وجدناها أخيراً بحدس سالم وبمساعدة تلك الخرائط وإشارات الأقمار السماوية المُرسلة إلى الـ GPS ذلك الجهاز الصغير الذي اعتبرته، في تلك اللحظات، أهمّ قفّاء أثرٍ في تاريخ تلك الرحلة.

"هنا، في إمكان كل شخص أن يعرف أثر جِماله، وبعضهم يتذكر أثر كل جَمَلٍ سبق وأن شاهده. ومن نظرة واحدة على عُمق آثار خف الجمل يمكن أن يعرفوا ما إذا كانت الناقة مُحملة أم لا، وعما إذا كانت حاملاً. ومن خلال دراستهم للأثر الغريب يمكنهم أن يقولوا من أين قدِمَ الجمل. فجمال الرمال، مثلاً، بطون أخفافها طرية ومُميزة بخطوط مشوهة، بينما خف جمل سهول الحصباء ناعم وصقيل. ويستطيع البدو التعرف إلى جمال القبائل لأن القبائل المختلفة تمتلك جمالاً من فصائل مختلفة، لذا كان يمكن التعرف إليها من آثارها. ولدى تفحص روثها يستطيعون تحديد المرعى الذي أكلت منه، ويعرفون بالتأكيد متى شربت آخر مرة، ومن خلال معرفتهم ببلادهم فقد يعرفون من أين. والبدو على معرفة تامة بسياسات الصحراء، فيعرفون تحالفات وعداوات القبائل. ويمكنهم التكهُّن بالقبائل التي ستغِير على بعضها، ولا يمكن لبدوي أن يترك فرصة تفوته من دون أن يتبادل الأخبار مع كل من يلتقيه، بل ويقطع مسافة بعيدة للحصول على أخبار جديدة".
[ويلفرد ثسيجر – الرمال العربية]

في قلب الربع الخالي

في عز الظهيرة بدأنا في اجتياز "رملة أم السميم". الرملة التي اشتهرت في مرويّات البُداة وكتب الرحالة بصعوبة اجتيازها نظراً لأنها كانت، أبداً، تغيِّرُ طبيعتها وألوانها كالحرباء. فهي في فصول الجفاف الطويلة رمالٌ متحركة تبتلع القوافل. لكنها في الفصول التي تعقب هطول الأمطار تتحول إلى أرض سبخة ملحية توحي قشرتها السطحية بصلابة خادعة جعلت مهندسي شركات النفط الذين نصبوا على تخومها حفاراً لا يقل ثمنه عن مليون دولار يندمون على ذلك عندما ابتلعته رملة أم السميم بكامله، رغم المحاولات اليائسة لانتشاله بواسطة طائرات الهليكوبتر التي فشلت في تلك المهمة وكادت أن تغرق هي الأخرى لولا حذاقة طياريها الذين تراجعوا عن إتمام المهمة المستحيلة، كما روى لي صديق يعمل في إحدى شركات النفط.
في طريقٍ رصَّصتهُ عجلات السيارات عبرنا تلك الرملة حتى منتصفها متوقفين لالتقاط الصور وقضاء حاجتنا البيولوجية. حاولت، كما حاول بعض رفاق الرحلة، المشي يميناً أو يساراً للتأكد من تلك الحقيقة التي كان برهانها ماثلاً بعد أقل من دقيقتين: تحذير ناصر لـ سالي من مغبّة الإبتعاد كثيراً عن الطريق في محاولة فوتوغرافية فاشلة أدت إلى غوص ركبتيها بعد أن انهارت بها تلك القشرة السطحية الخادعة. وكان ناصر هو السَّباق، بخفة البدوي ويقظته الأبدية، لإنقاذها قبل أن تختفي أمام أعيُننا إلى الأبد.
اجتزنا رملة أم السميم التي خرجنا منها سالمين بسلامة سالي، لتتراءى لنا من بعيد "عروق الشيبة" المهيبة، تلك التي عَبرها ثسيجر(8) ورفاقه البدو في رحلته من صلالة حتى البريمي وواحات ليوى في دولة الإمارات العربية المتحدة حيث التقى وتعرّف لأول مرة بالبدوي الرائع الذي سيصبح صديقه فيما بعد: الشيخ زايد بن سلطان، مُباركِ رحلاتهِ ومُيسِّر مسعاها في أراض كان اجتيازها من الصعوبة بمكان على أوروبي مسيحي بين قبائل عربية متناحرة، مُودِّعين علياءَ مهابتها بحفيف الإشارة من بعيد، لأن علينا الانحراف جنوباً لملاقاة رملة "أبو الطبول" – وهي واحدة من مفازات الربع الخالي الصعبة – قبيل حلول الظلام، فقد كان قائد الرحلة يخطط للتخييم والمبيت في مكان آمن يتوسط تلك الرملة، يمكِّننا من التمتع بمشاهدة غروب الشمس، لكن تأخرنا في الوصول إلى رملة أم السميم جعل سالم يُجازف بمحاولة اختيار مُرتفع آخر تمليه اللحظة ومُداهمة الغروب لآماله. هكذا اجتزنا تلك الرمال على غير هُدى في محاولة لاستباق الزمن القصير للاستمتاع بالمبيت في مُرتفع رملي محمي بمرتفع أعلى منه كي يقينا من هبوب الرياح. وقد أدت بنا تلك المحاولات البارعة من سالم في تجاهل كثبان بعينها والتركيز على أخرى أكثر عُلواً وحماية من الرياح إلى صعودنا وهبوطنا سلسلة لا تنتهي من الكثبان، مُعتمداً على ولَعه باجتياز ذلك الاختبار النفسي الشاهق في محاولة للعثور على ما يتوافق ومعاييره الصارمة لإرضاء ضيوفه بقضاء ليلة استثنائية في قلب الربع الخالي. لكن رملة أبو الطبول من الصعوبة بمكان، ولم تكن بالمكان المناسب لتحقيق أحلامه التي استلَّها منه الزمن المكثف في تسارُع غروب الشمس في عز ظهيرة ذلك النهار عندما كان منشغلاً بالخرائط وإحداثيات الطول والعرض الالكترونية في عُلبة الـ GPS السحرية، عندما اعتلى بشجاعة المُغامر وفطرته تلاً رملياً عالياً كانت حافته الأخرى تميل بزاوية 90 درجة تقريباً أدت في غمضة عين إلى التصاق بطن سيارته اليوكون بحَدّ ذلك السيف الذي حَدَّدَ المكان الذي كان علينا أن نخيم فيه. وهي التفاتة قدَرية لها محاسنها التي لم نحسب لها حساباً، فقد كان المكان أكثر من ملائم للمبيت ومشاهدة غروب الشمس التي كانت، جَمالياً، على وشك الإنقراض.
في سيارة الإسناد كنا نتابع ما جرى. وقد نصحت رفيقي ناصر بمحاولة المراوغة والوصول إلى عين المكان عبر طريق جانبية كان عليه اجتراحها بعد أن عرفنا أن وراء الأكمة ما وراءها. بعد وصولنا إليهم من الطرف الجانبي للكثيب، حاولنا استخدام "الونش" المثبت في السيارة العالقة بربط حبله إلى سيارة الجيب، لكن تبين لنا بعد عدة محاولات أن دائرته الكهربية لا تعمل. وكان هذا يعني أن على المجموعة أن تنصاع لأوامر قائد الرحلة وتنقسم إلى فريقين: فريق يحفر تحت "اليوكون" لإخراجها من ورطتها، وآخر يعدُّ مخيم المبيت قبيل غروب آخر هلالٍ في شمس ذلك النهار.
خفضنا ضغط الإطارات وحفرنا تحت اليوكون الثقيلة قدر ما استطعنا من الرمال لتتزحزح أخيراً من ذلك الحَرف الحاد لكثيب الرمل الذي اختارته لهلاكها، فيما كان الآخرون قد أعدوا مخيم المبيت.
ساهمت سالي بصورة فعالة في إضافة لمسات جمالية على موقع التخييم بترتيبها للطاولة والمقاعد والفرُش العربية والوسائد لأولئك الذين أنهوا مهمتهم شبه المستحيلة في إنقاذ السيارة من التغريز، لكن ما لم يكن في حسبان الجميع هو ازدياد حالة إيلين سوءاً، لا سيما بعد أن لاحظت صعوبة محاولاتنا لإخراج السيارة يدوياً بعد فشل الونش في العمل. ويبدو أنها قدّرت بشخصيتها السوداوية المزاج مصير الرحلة المحتوم بعد يومين، عشرة أيام أو أكثر عندما تكون الضواري والنسور قد اكتشفت مكاننا بعد أن نكون قد أنهينا شرب آخر قطرة من الماء قبل أن نغدو تلك الجُثث المُشتهاة. صرّحت بهواجسها تلك إثر ملاحظتها في أحد الكثبان المجاورة لحرباء صحراوية كانت تحاول الاختباء تحت إحدى أشجار القصيص القصيرة، لكن سالي استطاعت تسليتها بطبيعتها المرحة وشجعتها على تناول كأس من البراندي بعد أن أعطتها حبتين سحريتين من دوائها الذي كثيراً ما كانت تماطل في تناوله.
فطيرة مبارك بن لندن
استمتع رفاق الرحلة بأول ليلة لهم في اللامكان. في المكان الذي طالما حلموا بالتواجد بين ظهرانيه وبطونه: في الربع الخالي المُغني لأية كينونة تواقة لمجهولها عن أي مكان آخر، استمتع الجميع محتفلين بذلك الطقس الإستثنائي إثر بزوغ القمر. غنى لنا ناصر بعض الأغاني البدوية، لا سيما حُداء "الطّارق" الشجي الذي اعتاد البدو في رمال وهيبة إطلاق حناجرهم بتلويناته الصوتية الأخاذة في رحلات القوافل القديمة مُعيدين في تخوم صداه الذي تردده الوحشة ترانيم الأسلاف، فيما كنا نستمتع بصمت أسطوري غير معهود لمن لم يسبق له عبور تلك الرمال، مأخوذين بالحديث حول الرحالة البدو والمستكشفين الأوروبيين الذين قطعوا بشجاعة وهمّة منقطعتي النظير تلك المفازة، فيما كنا نستمتع بأصناف المشاوي التي كان سالم يعدها بنفسه للجميع في ليلة ليست كالليالي، بما في ذلك فطيرة من الخبز أجْمَرَ لها ناراً على مبعدة من المخيم في حفرة صغيرة وسط الرمال لم يلبث أن وضعها في ذلك الأتون قبل أن يهيل عليها الرمال ليستخرجها بعد نصف ساعة من مكمنها ضارباً ذلك القرص مُربتاً عليه بيديه لتسّاقط عنه حبيبات الرمال قائلاً: بالأمس قدمت لكم "الباغيت" الفرنسي، وهذه الليلة يسرني أن أقدم لكم الفطيرة البدائية التي أبقت الرحّالة ويلفرد ثسيجر ورفاقه البدو على قيد الحياة في هذا المكان قبل نصف قرن خلال عبورهم هذه المفازة على ظهور الجِمال، لا كما نفعل نحن المدججين بكل هذه التكنولوجيا التي، كما رأيتم، ما كانت لتنقذنا لولا عودتنا إلى أيادينا لاستخراج السيارة. وذاك مثالٌ علينا الإقتداء به، لنتعلم قوة الصبر والعزيمة لدى رجال من ذلك الطراز النادر. قسّمَ فطيرة الخبز الحارة بيننا كما سبق لسالم بن كبينة(9) رفيق ثسيجر، أن قسمها بين رفاقه في ليلة ظلماء. تناولناها حارة لذيذة طريّةً من أفضل فرن تتيحُهُ لنا الطبيعة في مكان كذاك. كان طعمها المشوب ببقايا حُبيبات الرمل التي يستشعرها المرء بين أسنانه كحبيبات السُكّر غير عاديّ، كما كانت أنجع دواء استطاع إعادة المزاج المرح إلى إيلين التي راقصت تلك الليلة ناصر بعد وصلة الغناء البدويّ مأسورة بالحُسنيين: رخامة صوته البدائي في أدائه المُتقن لحُداء "الطارق" و ترنيمه لفنّ "الميدان" وللذة طعم تكَسُّر حبيبات الكريستال في فمها إثر تناول حصتها من تلك الفطيرة.
لم يكن غراهام قادراً على الإقتراب منها أثناء نوباتها، وكان يعتمد اعتماداً كُلياً على سالي زوجة صديقه جيمس لتخفيف تلك النوبات الحادة، لكنه تلك الليلة كان في غاية الفرح لأن ناصر بغنائه، وسالم بتحضيره لتلك الخبزة الغريبة عليها استطاعا امتصاص نوباتها المرضية التي يعرفانها جيداً هو وسالي.
في الصباح الباكر، فيما كنت أجتاز الرمال إلى مُعتزل خلف أحد الكُثبان، لقضاء الحاجة، رأيت غراهام العجوز الذي تناول طعامه البارحة منبطحاً على بطنه بسبب آلام إحدى ركبتيه منحنياً أمام قوائم كاميرته الثلاثية التي نصبها خصيصاً قبل شروق الشمس لتصوير الألوان الإستثنائية لذلك الصباح. سلّمت عليه من بعيد فرفع يده بلا اكتراث في إشارة واضحة إلى مدى انشغاله، وعدم ترحيبه باقترابي منه في أكثر لحظات الإثارة لديه، لا سيما أن إيلين نامت مطمئنة البال لأول مرة، مُحققاً لها ذروة ما يبغي من تلك الرحلة.
انتظرت شروق الشمس جالساً على أحد الكثبان حيث كان بإمكاني مشاهدة أضلع مثلث كينونتنا الصغيرة في ذلك المكان الشاسع: غراهام بساقه المصابة وقوائم الكاميرا التي ترمز إلى تلك الكينونة، المخيم حيث يغط الآخرون في النوم، وأنا في المضلّع الأكثر سرّية وانكشافاً أمام السماء في ذلك الصباح المبكر، مُفضلاً العودة إلى المخيم قبل غراهام المشغول بأكثر من صورة لتدرّج ألوان ذلك الصباح.
في طريق العودة، طرأت في بالي فكرة إعداد الإفطار، غربياً وشرقياً، قبل صحو النائمين. قشرت الطماطم بعد أن سلقت البيض. قطّعت مكعبات من الجبنة البيضاء التي أضفت إليها زيت الزيتون ثم فتحت عُلب الفول وسخنتها في المقلاة مع الثوم قبل أن أضيف إليها مكعبات البيض المسلوق سلفاً ومكعبات الطماطم الطازجة وأعددتها للتقديم مع الخبز العربي على الطاولة فيما كان الـنُّوّمُ يستيقظون تباعاً على رائحة الطعام. هيأت خبز "التوست" والزبدة ومرطبانات "المارملاد" الصغيرة بكافة نكهات الفاكهة، كما في فنادق النجوم الخمس: فراولة، توت، برتقال، مشمش، فضلاً عن "الكرواسَّان" الفرنسية التي أعدتُ إليها حرارة الحياة في مقاهي السان ميشيل والسان جرمان بتسخينها على ضفاف الجمر المتبقي من الفرن الرّملي لفطيرة مبارك بن لندن(10).
بعد أن أعدنا المُخيم إلى أماكنه الصغيرة في السيارتين استعد رفاق الرحلة لنهار طويل وشاق لاجتياز ما تبقى من مفازات الربع الخالي. كانت اليوكون بمقدمتها المتجهة إلى مُنحدر الكثيب بعد إخراجنا لها بالأمس على أهبة الإستعداد. وكانت وصيفتها الجيب أكثر استعداداً ومباهاة، خصوصاً وأنها لم تخض، بعد، تجربة التغريز حتى تلك اللحظة.

"كانت هذه المنطقة مألوفة لديّ منذ زيارتي العام الماضي. فالكثبان المنعزلة ترتفع ما بين مائتين وثلاثمائة قدم، عن سطح الصحراء بشكل عشوائي. وهذه الأكوام الضخمة من الرمال التي كونتها الرياح لا تجاري أية قاعدة معروفة في تكوين الرمال، ويُسميها البدو "القعد"، وهو ما لم أشاهده إلا في الرمال الجنوبية الشرقية، ولكن بشكل مُعدل. وكثبان "القعد" هذه معروفة لدى البدو واحدة واحدة، لأن كل كثيب له شكله الخاص الذي لا يتغير بشكل ملحوظ مع السنين، لكن كل معالمها مشتركة. فالواجهة الشمالية لكل كثيب شديدة الإنحدار، حيث تساقط الرمل من تحت القمة على شكل حائط قائم على زاوية شديدة الإنحدار تسمح لحبات الرمل أن تثبت عليها. وكانت الانهيارات الصغيرة تتساقط من على هذه الواجهة باستمرار، وكل انهيار يخلف بقعة مؤقتة خفيفة اللون على سطح الرمل. وعلى جانبي هذا الوجه الحاد، انحدرت إلى الأسفل حواف ذات حروف حادة تنحني بشكل مُتموج، ومن خلفها حواف أخرى متتالية ومنزلقات. وكلما ابتعدت عن الجانب الرئيسي يصبح الرمل ثابتاً في السفوح الأكثر انخفاضاً وراء الكثيب، ويرتفع ويهبط في خنادق متعرجة عريضة، أو على شكل تجاويف قليلة العمق. وكان سطح الرمل مميزاً بتموجات صغيرة، وقد تشكلت الحواف من حُبيبات أثقل وزناً وأدكن لوناً، فيما امتلأت التجاويف بحُبيبات رمل أصغر باهتة. كانت الرياح تجرف الرمل باستمرار فاصلة حبيبات الرمل الثقيلة عن الخفيفة، وهي دائماً ذات لون مختلف. وقد شاهدت مرة واحدة رمالاً كانت حُبيباتها الكبيرة فاتحة اللون أكثر من تلك الصغيرة. ومع أن الحبيبات الكبيرة أقل عدداً، فإنها تعطي اللون الغالب. وإذا حفرت سطح الرمل يظهر لون الرمل الباهت. إن هذا المزيج من اللونين هو الذي يعطي مثل هذا العُمق وهذه الأناقة: ذهب مع فضة، برتقالي مع بني فاتح، قرميدي مع أبيض، بُني غامق مع وردي، أصفر مع رمادي.. إنها أشكال مُتنوعة لا حدّ لها من الظلال والألوان"
[ويلفرد ثسيجر - الرمال العربية]
نكمل لاحقا معا اقوال الرحاله
دمتم جميعا بالف عافيه

مطنوخ
12 - 11 - 2009, 01:18 AM
نكمل النقل والتجميع مع شي من التنسيق
مطنوخ

تغريز سيارة الإسناد

انطلقنا غرباً بزاوية تميلُ رويداً رويداً نحو الجنوب، متوغلين في الأراضي التابعة للمملكة العربية السعودية. حذرَنا سالم من حرس الحدود السعوديين والعُمانيين الذين يبحثون عادة عن البدو المُتسللين لتهريب الأسلحة والسيارات والمشروبات الكحولية بين عُمان، الإمارات، السعودية واليمن حسب نوع البضاعة المُهربة ووجهتها، قائلاً لنا أن علينا التوقف لدى مشاهدة إحدى سيارات حرس الحدود حتى يتسنى له إبراز التصريح الذي بحوزته كي لا يبادروا بإطلاق النار علينا، فهم لا يتوقعون في مفازة مقفرة كتلك سوى مصادفة المهربين.
رويداً رويداً اختفت الكثبان العالية المنفصلة واحدها عن الآخر، تلك التي كان بإمكاننا تحاشيها بالسير في المُنبسطات والقيعان الصلبة التي تُسافِلُها في نهايات المثلث الفاصل بين رملة أم السميم وأقدام عروق الشيبة ورملة أبو الطبول(11) الممتدة جنوباً حتى تخوم رملة مقشن.
أمضينا ما يربو على الساعتين ونحن في تلك الرمال، متوقفين بين الفينة والأخرى لصعود أحد الكثبان العالية ذات التكوين الطبوغرافي الذي لا مثيل له في صحاري العالم. وكما جاء في وصف ثسيجر، فإن تلك القمم الرملية ترتفع بمقدار يتجاوز الـ 600 قدم في بعض الأحيان. وقد أتاح انحدارها بزوايا حادة لكل من سالي، ناصر، سالم وأنا ممارسة الإنزلاق من قممها إلى هاوياتها بسهولة ومتعة قلَّ نظيرهما، مكتشفين، ربما، رياضة جديدة شاعت فيما بعد هي: التزحلق على الرمال. ولم يفت الأمر غراهام الذي كان يصوِّرنا بكاميرا الفيديو لإثبات صحة استثماره الجديد لأصدقائه رجال الأعمال الذين سمعوا عن ظهور تلك الرياضة في رمال استراليا وصحراء سينا في مصر لتطويرها، بل وللأخذ بأيديهم لجعل تلك الرياضة في متناول اليد، إن استطاع تأسيس شركة جديدة تستقطب المغامرين الرياضيين لممارستها في الربع الخالي، مُقترحاً على نفسه (في إعلانه عن رياضته الجديدة) العنوان التالي: "تزحلقوا على رمال الربع الخالي".
كان ذلك ضرباً من الهذيان الرأسمالي لتوسيع رقعة ممتلكاته واستثماراته الممتدة حتى هونغ كونغ وسنغافورة، إلا أنه اضطر للصمت بعد دخولنا في سلسلة لا متناهية من الكثبان ونحن ننحرف نحو الجنوب الشرقي في رملة مقشن حيث لا يرى المرء سوى هبوطات وصعودات على السيارة اجتيازها بحذر، وعلى قائدها الاختيار بين صعود قمة أو أخرى، لأن الخطأ في اختيار القمة الأنسب للصعود قد يعني نهاية الشوط.
هنا استعادت اليوكون أحصنتها المضغوطة تحت قدمي سالم الخبير بتلك المنطقة وهو يهمز طاقة سيلندراتها الثمانية، فيما كان التردد في استخدام الغيارات بين الثاني والأول والثالث هو السِّمَة الغالبة في سيارتنا التي يقودها ناصر المعتاد على رمال وهيبة والمستخف بكثبان الرّبع الخالي، رغم تنبيهي له بأهمية تعشيق الدفع الرباعي الخفيف على الدوام، فيما يؤكد لي على براعته وخبرته بقيادة السيارات في الرمال. لكنه لم يُدرك، ولم يُثمِّن ما كنت أراه وأنصحه به، مأخوذاً بعزة نفس البدويّ حتى ظهرت أمامنا تلة عالية لم يحسب لها حساباً قرّر صعودها بالغيار الثالث بعد أن أطلق العنان للسرعة، وكانت النتيجة أن غرزت السيارة في منحنى مفاجئ لم يُمكِّن سيارة المقدمة من معرفة ما حدث لنا. في تلك اللحظة فار بركان غضبي عليه، لأنني نصحته، كما نصحه سالم بتعشيق الدفع الرباعي الخفيف قبل ولوج الرمال، لكنه لم يستمع للنصيحتين مأخوذاً ببراعته التي اشتهر بها بين البدو في اجتياز الفيافي والقفار.
استبطأنا سالم وعاد إلى الوهدة التي غرزنا فيها ناصر وأنا. كنت مازلت غاضباً عندما وصل إلينا، لسبب بسيط: هو أننا في بحر من الرمال لا تقل مساحته عن 200 كلم مربع، وكنت ألوم سالم لعدم إعطائي فرصة القيادة وتولي المسؤولية في سيارة الإسناد، وهو العارف أنني سائق ماهر حتى في الرمال. وقد كان بودي أن أقود تلك السيارة بعد كثرة الأخطاء التي ارتكبها ناصر في الرحلة. لكن ما لم أحسب له حساباً هو أن سالم كان يُراعي تلك المعرفة "الخفيّة" بالرمال لدى ناصر، وشهرته التي اكتسبها كسائق مسافات طويلة لا تأخذه سِنة ولا نوم بين مسقط، دبي، أبوظبي، عَمّان ودمشق، ولا يريد أن ينغص عليه بسبب حادث تغريز بسيط بدا لي، لحظتئذ، نهاية حتمية لحياتنا.
لم أكن مخطئاً، لكنني آثرت الصمت في لعبة المديح تلك.
أخرجنا سيارة "الجيب" من جَيب الرمال الصعب. وكان غراهام يحاول صعود التلال الرملية بساقه المريضة في محاولة لالتقاط أفضل الصور لتوثيق تلك الواقعة، فيما كنا نتنفس الصعداء بعد صعود الجيب. وكان إقناع ناصر بتعشيق الدفع الرباعي طوال الرحلة في الكثبان تفادياً للوقوع في مأزق مُماثل هو أقصى ما حلُمت به.
انكسرت معنويات ناصر واعترف لي أثناء عبورنا إلى رملة مقشن أنه لم يجابه من قبل رمالاً كتلك، في محاولة منه لتبرير ما حدث بأنه طبيعي، وأن سالم نفسه قد غرز قبله، رغم قوة سيارته مقارنة بسيارتنا، دون أن يستطرد في ملاحظته تلك بأن اليوكون، وإن كانت أقوى بأحصنتها من سيارتنا لكنها أثقل منها بطَنٍّ على أقل تقدير.
أمضينا ثلاث ساعات إضافية في البحث عن نقطة معينة بها علامة حدودية اسمنتية بين عُمان والسعودية، هي النقطة المحددة على الخارطة 20 - 55 درجة. وهي النقطة الرامزة إلى الخط المفصلي الفاصل بزاويته المنفرجة بين عُمان والسعودية في اتجاه ذلك الخط الحدودي إلى تخوم حضرموت.
كانت فكرة كتابة قصيدة حول الربع الخالي قد تبلورت إثر التغريزة الثانية، وكتبت مسودتها الأولى ونحن نقطع تلك المفازة مُتخيلاً وجود خانٍ أو مضافة وهمية في ذلك المكان:
بشِقّ الأحلام والأنفُس عبرناه
ذاك الكؤودُ، ذاك العارمُ غير مُصدقين
تاركين الشروق والغروب توأمين من لحمٍ ودمٍ حتى
في عزّ الظهيرةِ، توأمين بجناحين عندما
يلتقي الهلالان تحت سدرةِ المنتهى
(حيث تذكرنا أسلافنا الرّحالة..
وانحنينا، في الليلةِ الظلماء، إجلالاً لفكرة
سفينة الصحراء)
لاعنين، إثر كلِّ تَغريزةٍ في حروف الكثبان وبطونها
فكرةَ الدفع الرّباعي: حيث كلُّ فراسةٍ،كلُّ بَعرةٍ، كلّ إبرةٍ
مُمغنطة.. كل خريطةٍ سرّيةٍ للقُواتِ المسلّحةِ
قبضُ ريح
في النقطة الفاصلة بين أن تموت بأعجوبةٍ
وتحيا في "أمّ السّميم" ورمالها المتحركة بأعجوبتين
حالماً في كفّكَ بالماء، في كفك الأخرى بثلاثة
أرباع الدنيا، إن نجوت بدشداشةٍ - رايةٍ في عين صقرٍ
مُقامرٍ بزينةِ الحياة.
في النقطة الفاصلةِ تلك..
في الـ (.) حيثُ لا بئر ولا بؤرة:
كان لا بُد من قمرٍ يملأ الكأس بالبيدْ
بمُعلّقةٍ ولَبيدْ
بحُريّةٍ تملأ الرأس في الفجر بالروحِ والرّاح..
بعد أن يشربَ الصقرُ (في صحّةِ الفجر) قنّينةً
ثم يروي حكاياتهِ
عن فَلاةٍ وسبعٍ عجافٍ وعن…
بعد أن ننتهي والجناحان مِروحَةً
حُلماً غامضاً..
حُلماً لا يراهُ السراجُ البعيدْ
هكذا، بشق الأحلام في عين صقرٍ
لم ير الرّايةَ عَبرناه
مُختاراً لنا أمثولةَ الأمل:
أحجيتهُ الأخيرةَ بعد آخر
قطرتين من الماء والبنزين -
خانٌ مسحورٌ (لا ندري في الجزيرة، في فردوس
الوصول، في حضرموتَ أم في ظَفار)
قلنا لصاحبه:
هات المفاتيح وهات المُدام
هاتِ الثُلاثي الكوكباني ودعهُ يُغني
(إن كان واحداً)
دعهم يغنون إن كانوا ثلاثة
والصباح رَباحٌ x رَباح.
غنِّ لنا أنت إن شئت. ودع بنات آوى يُولِمن.
اتركْ رائحة البصل في قميص الفردوس،
وانسَ بُقعة الفواتير الصفراء
نائمةً في ضلع صورة البقرة.
قرشُك النمساوي، بل ماريا تيريزا
(ذاتُ الحسب والنسب)
سيتبادلان قُبلة الرنين في مئزرك.
غنّ لنا أنت الليلة، ودندن
دونهُ، دون عُبورهِ مرّةً أخرى
ذلك الرّبعُ، يا صاحب الخانِ، خَرطُ القَتاد.

بين ضريحين في الهوليدي – إن

استعنا بجهاز الـ GPS من جديد، ونحن نقطع الخمسين كيلومتراً الأخيرة لتحديد اتجاهنا بدقة للوصول إلى ذلك الحجر الاسمنتي الفاصل بين الحدود، وقد تراءى لنا أخيراً في مُفترق الحياة والموت ذاك. هناك، في اللامكان توقفنا وتملَّينا طويلا - بعد أن شربنا المياه المعدنية - ذلك النصب الاسمنتي المكتوب عليه في الجانب الشرقي: سلطنة عُمان، وفي جانبه الغربي: المملكة العربية السعودية. السيفان المتقاطعان هُما السيفان، مع فارق طفيف: يتصالبان هنا على خنجر، وعلى نخلة في الجانب الآخر. كانا سيفين سورياليين أكثر مما ينبغي في ذلك المكان، وكان على النخلة الخضراء أن تبحث عن مُعادلها الموضوعي في تلك النقطة من العالم.
التقطنا الصور التذكارية من الجانبين بعد أن تناولنا التفاح والبسكويت مع المزيد من المياه المعدنية، غير مُصدقين خروجنا النسبي من تلك المفازة.
لاحظ ناصر هرولة الجميع لالتقاط الصور من الجهتين، مُبتهجين بسرعة انتقالهم من بلد إلى آخر، فطلب من سالم أن يُصوِّرهُ مع سالي التي فتنته بشقرتها، بحيث يظهران في الصورة من القرب بمكان، لولا الحيِّز (التأريخي) الذي لا بد منه بينهما لظهور السيفين متقاطعين على خنجر في هذه الصورة وعلى نخلة في تلك!. هكذا سيكون بإمكانه، في ليالي السَّمر عندما يعود إلى باديته الأولى, التباهي بها في عدة روايات لن يكون بمستطاع أحد تكذيبها، كما لن يكون بمستطاع آخرين في سهرة "باربيكيو" في لندن أو هونغ كونغ تكذيب ذات الشاهدة بسيفيها ونخلتها الخضراء.
الرواية ذاتها في تخوم البلاغة والتأويل. الصورة ذاتها، بكل الصدق الذي تختزنه في نيغاتيف الألوان، مع فارق طفيف بين السيفين المتقاطعين في الربع الخالي، لكنها في مُرتقى المسعى واحدة، في الغالب، هنا أو هناك – نسبة لأهميتها المتخيلة في ذهن ناصر وسالي، حين يعود كل منهما إلى أرضه.
هكذا، ومن تلك النقطة الحدودية الفاصلة بزاويتها التي تظهر بوضوح حتى في الخرائط السماوية التي ترسمها وتبثها الأقمارُ إلى شاشات العالم، انطلقنا شرقاً لملاقاة الطريق الطويل بين مسقط وصلالة. الطريق الذي انحرفنا عنه في فهود متوغلين عميقاً في الربع الخالي.
ومن جديد كان علينا الاستمرار مسافة لا تقل عن المائة وخمسين كيلومتراً في أرض قاحلة تتناوبها الرمال والسبخات والمُنبسطات المغبرّة كلما اقتربنا من الطريق المُسَفلَت الذي بدا منه، أول ما بدا، نقط سوداء متحركة هي الشاحنات عينها التي تنقل الخضر والفواكه والبنزين بين مسقط وصلالة.
بعد بلوغنا ذلك الخيط الاسفلتي الرفيع انحرفنا يميناً في اتجاه صلالة ثم توقفنا في استراحة "وادي قتْبيت" لتناول الشاي والسندويتشات والاغتسال من وعثاء السفر في مرافقها الصحية. ملأنا خزاني الوقود في السيارتين وانطلقنا قبيل الغروب إلى صلالة، عاصمة ظفار التي وصلناها بعد ساعتين ونصف من التسيار.
بتنا في فندق الـ "هوليدي – إن". تعشينا مُبكرين وخلدنا إلى نوم عميق.
في الصباح استمتعنا بـ "بوفيه" الإفطار المجاني في مطعم الفندق المطل على الساحل حيث كانت نخلات جوز الهند تتمايلُ في أقصى جنوب شرق الجزيرة العربية، حُرة واستوائية الهواء والمناخ، كما لو كانت في أميركا اللاتينية، في الهند أو جُزر المالديف.
صعدنا الجبل بعد تناول الإفطار المُضمَّخ بثمرات الفيفاي وجوز الهند إلى منطقة "أتين" لزيارة قبر النبي أيوب. وهو قبرٌ مغطى بقماش أخضر في مزار قرب مسجد خاص به يتضوع منه بخور اللبان. قال لنا الحارس: إن محراب المسجد القديم كان متجهاً نحو القدس، لكن قِبلته وُجِّهت لاحقاً نحو مكة عندما أعيد بناء المسجد. ولأنني لم أكن يومها ألبس الدشداشة حسبني ذلك القيِّمُ على حراسة القبر والمزار غير مُسلم، مانعاً إياي من لمس القرآن الكريم حين مددت يدي لأتصفح مُصحفاً من المصاحف الموضوعة في الرّوازن، لكنه سمح لي بذلك عندما قلت له مُداعباً: أنا مُسلم عربي من مصر. فاعتذر لي، وأعطاني فسحة مع كتاب الله.
الطريف في الأمر أن ثمة طبعة قَدَم على حجر قريب من المزار يُعتقد أنها للنبي أيوب، إن صدقنا رواية الحارس الذي لم يرتح، أول الأمر، لشاب يلبس قميصاً وبنطلوناً يحاول أن يلمس كتاباً مُقدساً!
بعد زيارة الضريح أخرج جيمس أوراقاً مُصورة من كتاب أو موقع على الإنترنت، ولاحظت اهتمامه غير العادي بقراءتها. دفعني الفضول لسؤاله عما هو مكتوب في تلك الصفحات، فأخبرني بأنها مُستلة من إنسيكلوبيديا الـ S.A.S السرية حول معركة "مرباط" الشهيرة بين ثوار الجبهة الشعبية لتحرير عُمان مطلع السبعينيات وقوات سلطان عُمان الجديد المدعومة، إلى جانب الإنكليز، بالثقل العسكري للقوات الإيرانية الخاصة. وقد كان التقرير الذي سمح لي جيمس بقراءته يتحدث عن وقائع تلك المعركة.
هبطنا من الجبل إلى مدينة صلالة الخضراء بحثاً عن الأفلام التي كان لا بد لنا من تزويد كاميراتنا بها. وجدنا محل تصوير فاشترينا حاجتنا منها، إلا أن غراهام أصرَّ على شراء أفلام "فوجي" اليابانية التي لم تكن مُتوفرة في ذلك المحل. جربنا محلاً آخرلبيع الأفلام نصحنا أحدهم به، واشترى عشرين فيلماً، كما أسَرَّ لنا بانتصاره الصغير، مُعلناً أنها أرخص بـ 50% عن ثمنها في بريطانيا.

"كان مشهد الكاميرا، في حوالي منتصف هذا القرن، شيئاً نادراً في جنوب شرقيّ الجزيرة العربية، وعندما قمت بتصوير الكثيرين كانت تلك هي المرة الأولى التي يرون فيها كاميرا. وعلى نحو يوحي بالخيال المُحلق كان كلٌّ من الكاميرا والصُّور يُشار إليه بشكل اصطلاحي على أنه "العكوس". ومع اعتبار مدى عزلة أبناء المنطقة عن مثل هذه المستحدثات العصريّة، فإنهم كانوا على قدر كبير من التسامح حيال الأشياء الغريبة التي توجَّهُ ناحيتهم. وربما كان هذا راجعاً في أحد جوانبه إلى أنني حاولت على الدوام الالتزام بقدر مقبول من قواعد السلوك لدى قيامي بالتصوير، وهو القدر الذي بدونه يمكن أن تغدو الكاميرا عنصر تطفل على الخصوصية لا يلقى ترحيباً من أحد. وبقدر ما تسمح به الظروف وبدون التخلي كثيراً عن العفوية، كنت أقوم إما بالسعي للحصول على إذن بالتصوير قبل أن أحاول اجتذاب اهتمام من أصورهم إلى ما أقوم به بجعلهم ينظرون من خلال منظار تحديد المشهد، وهي تجربة جديدة ومسلية بالنسبة لغالبيتهم. وبسبب الطبيعة السمحة إلى حد كبير لمن صوّرتهم أو سافرت معهم كانت جهودي في مجال التصوير في كل الحالات تجارب نعيشها معاً، وتعد مصدراً للسرور بالنسبة لي، وشيئاً مسلياً بالنسبة للآخرين. وقمت، حيثما كان ذلك ممكناً، بإطلاع من صوَّرتهم على الصور الناتجة. ولكن بشكل عام كان اهتمامهم منصباً نحو الحصول على إحدى العلب الخاصة بحفظ الأفلام ذات الغطاء العلوي المُحكم لكي يحفظوا فيها التبغ الناعم اللازم لمَدَاويخهم الصغيرة، أكثر مما كان منصباً على الصور. فالمزيد من الصور يُسفر عن المزيد من العُلب، ولذا كان التصوير يحظى بشعبية بالغة!"
[رونالد كودري - الألبوم العربي]


تناولنا الغداء في أحد مطاعم صلالة الشعبية، وانطلقنا إلى شاطئ "المغسيل" الصخري لمشاهدة نوافير البحر التي تكوّنها الأمواج الضاربة بقوة أسفل الرَّف الصخري الذي نحتتهُ السّنون عبر فوّهات توحي لمن يسمع زفيرها المائي بأنها حيتان تتنفس ما تيسر لها من الهواء القراح قبل أن تغطس من جديد في لُجة المحيط الهندي.
لم نكن بعيدين عن الطريق المؤدي صُعُداً في الجبال حتى بلدتي "صرفيت" و "ضلكوت" اللتين كانتا معقلاً لثوار الجبهة الشعبية لتحرير عُمان في السبعينيات، وهو ذات الطريق الشاق المؤدي إلى اليمن عبر حضرموت. تلك الجبال التي شهدت معارك دامية وحرب عصابات خاضها الثوار ضد قوات السلطان قابوس الذي تسلم مقاليد الحكم إثر انقلاب أبيض على أبيه سعيد بن تيمور. وربما كان تقرير قوة التدخل الجوي الخاصة(12) Special Air Force Service المعروفة اختصاراً بالـ S.A.S هو ما جعلنا جيمس وأنا نتبادل حواراً سياسياً حول تلك المرحلة قبيل وصولنا إلى أماكن تواجد شجرة اللبان (الصَّمغ العربي) التي كانت، ذات يوم بعيد، بالنسبة للملكة بلقيس المسيطرة على تلك المنطقة في أهميتها الاقتصادية كحقول "فهود" و"الرويسة" و"قرن العلم" و"جبال" في المنطقة الوسطى التي أضحت بعد ثلاثة آلاف سنة تدر حليب النفط الأسود. وهي الشجرة التي اشتهرت واتخذت مكانتها الإقتصادية قبل ألف عام من الميلاد حيث كان اللبان يُصدَّرُ آنذاك إلى مختلف أنحاء العالم القديم كـ روما ومصر وسوريا والهند. وأفضل أنواعها ينبت في جبال ظفار. وهي شجرة ذات سيقان وأفرع متشابكة يتقشر لحاؤها في قطع كبيرة. أما أوراقها صغيرة الحجم فلا تنبت إلا في أعلى الشجرة متحاشية، كما يبدو، سكّين "الجبّاليين"(13) جامعي الحليب الأبيض، أو اللبان، تلك التي تجرح مناطق منتقاة في الجذع (كما هو الحال بالنسبة لجامعي المطّاط الماليزيين) لإسالة اللبان الخثِر الذي يتجمد على الجذع أويُجمع في إناء يوضع تحت الجرح (عادة ما يكون القشرة الصلبة لثمار جوز الهند) ليُجمع المحصول الثمين بعد ثلاثة أسابيع حيث تتجمع تلك الكرات الصغيرة اللزجة والمتدرجة في ألوانها من الأحمر إلى البنيّ الداكن والأصفر فالأبيض ذي الزرقة الفاتحة (الحُوجْري)، وهو أفضلها.

قصر بلقيس الصيفي

عُدنا إلى فندق الهوليدي – إن بعد أن زرنا قبر النبي عُمران في مدينة صلالة. وهو قبر عجيب لا يعلم أحد ما الذي أتى به إلى تلك البقعة، إذ يبلغ طوله أكثر من قامة سبعة رجال، كما لو كان قبر واحد من العماليق. لم أقف على رواية تاريخية تفسر الأمر، لكنه حقيقة سياحية خارقة تضفي بهجة أبدية غير مُتوقعة في ذلك المكان باكتمال عناصر الأسطورة وتأويلها في حواشي شروح الكتب المقدسة، رغم وجود قبر ومزار له، كما سمعت، في مناطق أخرى من شرقنا المتوسط – حديقة الأنبياء هذه التي لا تكف أزهارها عن الذبول والتفتح، في متوالية لا تنتهي، بين حقبة تاريخية وأخرى.
ألم يَروِ الكاتب الاسباني خوان غويتيسولو في روايته "أسابيع الحديقة" أن ضريح لَلاّ ميمونة الموجود في سوق الأربعاء موجود أيضاً في سهل تافرت بالمغرب. وأن جثمان سيدي يحيى بن يونس الراقد في وَجْدة يرقد أيضاً في ضواحي مدينة الجزائر؟.. فما دامت الأساطير تنسب لهم معجزة الارتفاع والتحليق في الهواء، فإن تغيير الأولياء والصالحين لقبورهم لن يكون معجزة في هذه الحالة.
في المساء تبادلنا الحديث أنا وجيمس بعد أن رحل الآخرون إلى غرفهم المتناثرة على الساحل بين أشجار جوز الهند برؤوسها التي تدوزِن إيقاع رياح المحيط الهندي، مستعيدين، بعد تبادل الثقة، زمناً ولى وانقضى في اجترار تلك العلاقة الملتبسة بين بريطانيا وعُمان. استأنس إليّ واستأنست إليه، قبل أن يودع كل منا الآخر في انتظار الغد الذي ينتظره بكل شغف.
في الصباح اتجهنا نحو بلدتي "طاقة" و"مرباط" شرقي صلالة. زرنا "سمهرهم" ذلك الأثر التاريخي المتعالي في ربوة قرب "خور رُوري" حيث يمكن للزائر أن يثمِّن بعض الروايات التاريخية التي تعتبره المقر الصيفي الذي كانت تلجأ إليه ملكة سبأ للاستمتاع بالطقس الإستوائي البارد لتلك المنطقة من مملكتها حيث تشرف، من علٍ، على سير سفنها التي كانت تنطلق محملة باللبان إلى أقاصي العالم. هناك حيث يستطيع من كان ساهياً على ناصية آثارية أن يتأمل البحر ويتخيل ما كان عليه الحال في أيام تلك الملكة التي عرفت كيف تستغل ثروة اللبان وتجلبها إلى مصيفها الذي يعلو وادي "خور رُوري" الذي يسكب مياه الجبال وعسلها في المصب الذي كانت تتملاه عيناها من شرفاتها الخالدة. الشرفات التي لم يبق منها سوى التراب والمخازن المُعدَّة لحفظ اللبان وبئر الماء العميقة بأحجارها المرتبة كما كانت قبل ثلاثة آلاف عام.
وجدنا أيضاً بعض الكتابات والنقوش في مدخل القصر الذي تكسرت أقواسه العليا ولم يتبق منها سوى بعض النقوش المتناثرة على بعض الجدران. كان دخول الموقع سهلاً لأن السياج المحيط به مع لوحة للجهة القيِّمة على ترميمه مثقوب ويستطيع من شاء الدخول إليه والعبث بمحتوياته. ورغم أن بعثات آثارية مختلفة توالت على الموقع، إلا أنها لم تنجز مهمتها كما يبدو لأسباب تمويلية صِرف، ولعدم اهتمام من الجهات العُمانية المسؤولة عن الحفريات التاريخية في ذلك الموقع الذي لو لم يُهمل لأصبح موقعاً ذا جاذبية سياحية تضاف إلى رصيد صلالة المتباهية أبداً باعتدال مناخها في الصيف، أو فصل "الخريف" كما يسمى هناك.(14)
تابعنا المسير إلى مرباط التي تتميز بساحلها الصغير وبيوتها القديمة التي لم تفسدها، بعد، ثورة الاسمنت. زرنا القلعة التي لا زالت محتفظة، رغم الترميم السيئ، بنوافذها الجميلة. وهي القلعة التي دارت فيها إحدى المعارك الكبيرة بسبب قدرة الثوار على الهبوط من جبلهم العالي وتهديد قوات السلطان في عُمق أرضه الساحلية، لكنه استعان بالإنكليز وقوتهم الخاصة، حينما احتدمت المعركة بين ثوار الجبهة الذين هبطوا ليلاً من جبل سمحان واقتحموا مرباط بدرج من الحبال صنعوه من أغصان جوز الهند، لكن إمدادات قوة الـ S.A.S التي أنزلت جواً ساعدت الضباط الانكليز الموجودين أصلاً في الموقع على إنهاء سيطرة الثوار التي استمرت ثمانية عشر ساعة بعد سقوط عشرات القتلى والجرحى من الجانبين.
كان جيمس الأكثر اهتماماً برؤية المكان وتملّيه وتفقده. ويبدو لي أنه فقد عزيزاً هناك، كما أن دليلنا الظفاري فقد أيضاً خاله الذي كان في صف ثوار الجبهة الشعبية لتحرير عُمان. وحين أخبرنا جيمس أن دليلنا يقول أنه فقد خاله في تلك المعركة، قال:
حمداً لله أن لا أحد من أخوالي في الطرف الآخر، في إشارة مُضمرة لتخوُّفٍ من ثأر قد يختمر في بال الدليل!

بن سُولعْ

مطلع السبعينيات من القرن المنصرم، زار أبي بدويٌّ من قبيلة الحراسيس ومعه هدية نادرة لا توجد إلا في أراضيهم: "بن سولع"، كما يُسميه بُداة تلك الجِدّة.
لم تمض على وجود ذلك الكائن في حوش المنزل سوى أيام معدودات، فقد زارنا ضيوف تلذذوا بلحمه، وربما أصَبتُ منه قطعة أو قطعتين. حينها لم أتذكر اختلاف ذلك الكائن عن الظباء، لكن رنين الاسم الجميل: "بن سولع" ظل يلسع لساني وذاكرتي فترة طويلة، دون أن أراه. فقد انقرض ذلك الكائن في موطنه الأصلي "جِدّة الحراسيس". وكانت أول مرة أراه فيها عام 1989 في حديقة الحيوان الكبرى في سان دييغو حين علّق مذيعُ القاطرة المكشوفة التي دارت بنا واستدارت في أنحاء الحديقة الشاسعة، قائلاً: "تستطيعون الآن مشاهدة قطيع من المها العربي Arabian Oryx الذي توالد بصعوبة بالغة في الأسر من ثلاث أو أربع كائنات رائعة جُلبت إلى هذه الحديقة في الستينيات من عُمان". ولم أره مرة أخرى إلا عام 1998 في حديقة لندن يمضغ عشبة أحزانه قرب ثلاث زرافات اشرأبت أعناقها نحو سيارة "أوسْتن ميني" ستينية الطراز والعشب، ربما كانت من مقتنيات أحد مدراء تلك الحديقة.

يُعتبر المها العربي الأبيض من أندر ذوات الحوافر وأروعها. وقد عاش في قطعان كانت تذرع الفيافي المتاخمة للربع الخالي من جهته الشرقية، متنقلاً بقِرْبَة صَبرهِ الضامرة في العطش كشاعر صعلوك يذرعُ بخيَاله فيافي وقفار الأيام الخوالي.
فيما مضى كان الأهالي يصطادون منه حاجتهم، ويبقى منه ما يكفي ويزيد لحفظ النوع. لكن السيارات والبنادق الحديثة نقضت العهد بين بن سولع وقبيلة الحراسيس التي كانت تحميه من غارات القبائل الأخرى، حتى آل إلى الانقراض، ولم تبق منه سوى أعداد محدودة في الولايات المتحدة(15).
وبجهود مشتركة بين حكومة سلطنة عُمان ومنظمة الصندوق العالمي للحياة البرية أعيد توطين بن سولع في موطنه الأصلي بـ "محمية جَعْلوني للمها العربي" في جِدّة الحراسيس.

منتصف الألف كيلومتر

تابعنا المسير نحو ولاية هيما التي تقع في منتصف الألف كيلومتر بين صلالة ومسقط، حيث كان علينا مشاهدة مَحمية المها العربي. بعد خمس ساعات، أو خمسمائة كيلومتر من التسيار المُملّ وصلنا إلى هيما، ومنها رفقة دليل رتب قائد رحلتنا موعداً معه إلى المحمية التي يُديرها إنكليزي يُدعى "ستيف" يعمل تحت إمرته عدد من بدو الحراسيس الذين يُراقبون بالمناظير المُقرِّبة من سياراتهم اللاندكروزر حُدود تلك المحميّة. هبطنا من سياراتنا وطلبنا مُقابلة مدير المشروع، آملين السماح لنا برؤية وتصوير بن سولع السجين في حظيرة خلف مكتبه مُكيَّف الهواء، لكن استقباله لنا ولأبناء جلدته كان فاتراً وبارداً بما لا يُقاس عليه البرود الإنكليزي المعهود. تحدثا هو وسالم على انفراد في مكتبه، لكنه عاد بخفي حُنين: ستيف لم يسمح لنا بمُشاهدة بن سولع وتصويره لا في الحظيرة ولا في الفلاة، ناهيك عن فنجان من القهوة البدوية أو الشاي الإنكليزي، مُتجاهلاً الإنكليز الأربعة الذين قطعوا آلاف الكيلومترات للوصول إليه. شعرنا في وطننا بالامتعاض، وشعروا بغصة وخجل من مواطنهم لسلوكه المريض.
خرجنا من المركز، والتقينا بسيارة الحُرّاس الحراسيس الذين وافقوا، بشهامة رجال البادية، أن يدلونا على أحد قطعان المها، بعيداً عن عيون ستيف القابع مع عُلبة بيرة، خلف كومبيوتره الصحراويّ وصفير السلالة الفرويدية المتضخمة في بَراح أمراضه النفسية. رحَّبا بنا، واعتذرا عن سلوك مدير المشروع الذي طالما أساء لهم، وأخبرانا أن أعدادها في تناقص لا يتوافق وأهداف المشروع. اتصلا بحارسين آخَرين عبر الراديو للبحث عن قطيع مناسب للمراقبة. وبهَديٍ من حاستهما البدوية وأثير الراديو، رأينا بعد أن قطعنا قرابة سبعة كيلومترات أبهى وأندر ما يمكن للمرء أن يرى: قطيعاً مُكوناً من 11 رأساً لـ بن سولع في بيئته الطبيعية التي طالما تاق للعيش فيها حُراً وطليقاً كما خلقه الله. اقتربنا منه بالسيارات في دائرة كنا نُضيِّق قُطرها، وعلى رؤوسنا عَمامات الصمت. أعطونا المناظير المقرِّبة لنرى بوضوح ذلك القطيع المستظل في الهجير تحت شجرة. اقتربنا أكثر فأكثر لنرى.. مأخوذين بتلك الصلاة البيضاء للحياة التي انقرضت في ذلك المكان ذات يوم. ونظراً لهدوء القطيع وعدم اكتراثه بنا وبأصوات عدسات الكاميرات، تجرأت إحدى السيارات بالاقتراب أكثر مما ينبغي، فجفل القطيعُ، بسرعة في البداية، ثم في خبب يخلب اللبَّ، يتقدمه القائد.. تتبعه بقية المها، تاركة مسافة من التبجيل بينها وبينه. لم نتحرك، فشعرت بالأمان بعد أن عَدَت مسافة 300 متر تقريباً. التقطنا لها المزيد من الصور، وكان ذلك غاية ما نريد.
تركنا قطيع بن سولع إلى مفترق طريق ودَّعنا فيه رجال الحراسيس الذين ما زالوا يحرسون بن سولع بالمحبة ذاتها التي ورثوا عن أسلافهم. في السيارة علَّقت إيلين على ما حدث قائلة: "لا أظن ذلك الإنكليزي بريئاً لتناقص أعداد هذه الكائنات الفريدة، ولا أستغرب منه توجيه هؤلاء الحُراس شرقاً في نوبات الحراسة، حين تكون بنادق الصيادين تفتك بها غرب المحميّة".
تعليق ذكيٌّ لن تسمعه أذنٌ، في الغالب، هنا أو هناك.
اقترح الرفاق المبيت قرب بن سولع في أحد الوديان على أطراف المحمية. أعددنا مخيّمنا الأخير وتسامرنا في انتظار دليلنا الذي اختفى بسيارته البيك-أب زهاء الساعة والنصف ليتحِفنا بغزال ربّته جدته في حظيرتهم وليمة شهية للعشاء لم نتوان عن شيِّهِ (بعدما أكد لنا أنه لم يصطده من تلك المحمية) بل وُلدَ في رعاية جدته التي تربّي الغزلان بطريقتها الخاصة، كما جلب معه إناء طافحاً بحليب الجِمال الذي كَرع منه غراهام للتداوي من أمراض معدته، لكن إيلين رفضت تناول قطرة واحدة من ذلك الحليب، رغم إصراره المُمل عليها لتشرب منه.
في الصباح انتظرنا غراهام الذي ابتعد عنا طويلاً خلف أكَمة بسبب الإسهال الذي أصابه لإفراطه في شرب حليب النوق، وتابعنا المسير حتى مسقط لاستكمال الخمسمائة كيلومتر الباقية - مُتوقفين أكثر مما ينبغي ليتسنى لـ غراهام التخلص من محتويات معدته - وللتسوق من سوق الظلام في مطرح حيث كان على رفاق الرحلة الافتراق في مقهى الواحة المطل على خليج عُمان قرب فندق الإنتركونتيننتال في مسقط، قبيل توديعنا لهم ولأحداث تلك الرحلة منتصف الليل في مطار السيب الدولي.

الإشارات والهوامش:

___________
(1) الفلج نظام قديم للرّي وفريد من نوعه منتشر في عُمان والإمارات الشمالية وبعض نواحي إيران، يعتمد على سلسلة من الآبار المتصلة ببعضها البعض تجمع المياه في مجرى يتصاعد إلى سطح الأرض ليروي القرى، تنسبُ بعض الحكايات أصله إلى جن الملك سليمان.
(2) كما اشتهرت بُهلا بكونها واحدة من الحواضر العُمانية التي تعود إلى حقب تاريخية سبقت ظهور الإسلام، اشتهرت أيضاً بشيوع السحر فيها، وبالقدرات الخارقة لسحرتها. وكثير من المؤمنين بقوى السحر في بعض بلدان الخليج العربي يزورونها بغرض الإستطباب. والمفارقة المنشودة من الحكاية هي أن هناك من يستطيع أن يبز حتى أهل بهلا في سحرهم!
(3) كم أثارت مخيلتي مفردة "المُغيّب" ودلالتها في اللهجة العُمانية التي تعني أن المتوفى ليس في حكم الأموات، وأن هناك أملاً في استعادته ذات يوم. حدث هذا معي عندما كنت في الخامسة عشر من العمر حين توفي عزيز عليّ أشيع في القرية أنه مُغيب. وكم تمنيت أثناء عودتي من المسجد بعد صلاة العشاء أن ألتقي به مُغيباً في ظلمة أشجار النخيل قرب مجرى الفلج لأشكو له مدى افتقادي له. بل كم تماديت في أخيلتي تلك لأسأله عما حدث له بالضبط؟.. وهل صحيح أن ما شاهدته قبل الدفن لم يكن جثمانه وإنما جذع نخلة؟.. هل دخل القبر وأخرجه الساحر منه، أم أنه فرّ به مباشرة بعد موته إلى الكهف؟.. هل كان المغيبون الآخرون ودودين معه، أم كانت طباعهم كالسحرة؟. مُطيلاً الجلوس في الظلمة لأجد التأنيب في انتظاري بسبب تأخري عن موعد العشاء، مُفكراً في طريقة أخفي بها صديقي عن أعيُن الساحر لأعيده، بمعجزتي، إلى الحياة. متخيلاً فرح الأهل بعودته حياً يُرزق. لكنني لا ألبث أن أتراجع عن تلك الأخيلة خوفاً من أن يعرف الساحر بخططي، ويحيلني إلى مغيّب أنا الآخر. لا سيما أنني أعرفه شخصياً، ويصلي معنا في ذات المسجد. وكم كان فرحي كبيراً عندما مات ذلك الساحر "الظالم" بعد سنوات.
(4) راجع مقالة بعنوان "الربع الخالي في الأدب الإنكليزي" للكاتب هلال الحجري، نشرت في العدد 32 من فصلية نزوى الثقافية – وزارة الإعلام، سلطنة عُمان.
(5) يروي رونالد كودري في كتابه "الألبوم العربي"، وهو مجموعة صُور تذكارية مُلتقطة في منتصف القرن العشرين حكاية لقائه الأول بويلفرد ثسيجر: "كان بمقدوري قضاء الليل بأسره مُصغياً لحديث ثسيجر عن رحلاته. وقد حدثته بأنه عندما نشر نبأ عبوره الأول للربع الخالي في صحيفة "التايمز" كنت بصحبة برترام توماس الذي عقب قائلاً: في هذه الأيام يحظى المستكشفون بكل أنواع الأجهزة المساعِدة الحديثة، مثل أجهزة اللاسلكي. وحسبت في البداية أن هذا القول لن يبدو طريفاً في نظر ثسيجر، لكنه ابتسم ابتسامة عريضة، وقال: إنه لم يحظ بمزايا تتجاوز ما حظي به توماس الذي حاول أن لا يأكل إلاّ كالضباط، ولم يكن يتناول الطعام دائماً مع رفاق رحلته"، هامزاً لامزاً - في رده على كودري - من سلوك برترام توماس مع رفاق رحلته التي وهبته مجد العبور الأول للربع الخالي عام 1931.
(6) راجع "عُمان الماضي والحاضر"، إريك فان سخربتريل - لاهاي، هولندا.
(7) ثمة طرفة متبادلة حول عدم ارتياح كل من ويلفرد ثسيجر والسلطان سعيد بن تيمور أحدهما للآخر يرويها إدوارد هندرسون في كتابه ذكريات عن الأيام الأولى في دولة الإمارات وعُمان: "من الطريف ذكره أنه بعد أن بقي ثسيجر عدة أشهر بين عامي 1948-1949 في عُمان، طلب السلطان من السلطات البريطانية في الخليج أن تلغي تأشيرة دخوله إلى عُمان. فردَّ ويلفرد على هذا بابتسامة: لم تكُن معي واحدة من قبل".
(8) فيما يتعلق بالرجال الثلاثة: برترام توماس، جون فيلبي وويلفرد ثسيجر الذين سترتبط أسماؤهم إلى الأبد باستكشاف الربع الخالي؛ يُشار إلى ما يلي: زار برترام توماس أبوظبي، عقب تركه لمنصب مدير الدراسات بمركز الشرق الأوسط للدراسات العربية ليلتحق بالعمل في شركة "شل". ولم تكن صحته آنذاك على يرام، وقد توفي في مسقط رأسه قرب بريستول في الأول من يناير 1951. أما جون فيلبي فقد توفي في الأول من أكتوبر 1960 في بيروت، فيما لا زال ثسيجر يخطو خطاه نحو التسعين من العمر في شقته اللندنية، حيث لا زال، ما أسعفته الحياة، يزور كلاً من دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان. ملاحظة الطبعة الثانية: توفي ثسيجر بتاريخ 24 أغسطس 2003.
(9) كم تمنيت اللقاء بثسيجر خلال زياراته للإمارات وعُمان، ولم أوفق لذلك اللقاء. لكن الصدفة أتاحت لي اللقاء برفيق رحلته الأثير سالم بن كبينة ضمن فعاليات معرض أبوظبي للكتاب بتاريخ 6. 4. 2006 لاقتناص الحديث إليه والتقاط صورة بمعيته وهو في تخوم السبعين من العمر، حيث جشم نفسه عناء حضور حفل توقيع كتاب "عابرو الربع الخالي – مرافقو مبارك بن لندن يتحدثون" - ملاحظة الطبعة الثانية.
(10) عُرف ثسيجر واشتهر في أوساط البدو خلال رحلتيه في الربع الخالي باسم مبارك بن لندن.
(11) ربما سمى البدو تلك الرمال "رملة أبو الطبول" بسبب الإنزلاقات الكبيرة للكتل الرملية التي تحدث دوياً وفرقعات شبيهة بصوت الطبل. كما أن "السّمّة" وهي الحصيرة, هي ما دعاهم في الغالب لتسمية رملة أم السميم بذلك الإسم بسبب ليونتها وانبساطها كالحصير.
(12) يعتبر البريطانيون هذه الفرقة الخاصة واحدة من أفضل قوات التدخل السريع في العالم. وهي الفرقة التي ساهمت مساهمة فعالة في تحرير أسرى السفارة الأميركية في طهران مطلع الثمانينات، إلى جانب مهامها السرية في بورنيو، حرب جُزر الفوكلاند في الأرجنتين وحرب الخليج الثانية، فضلاً عن دورها الأساسي في معركة مرباط في ظفار عام 1972.
(13) يُعرف سكان الجبل الذين يتحدثون الجبّالية المتحدرة من الحميرية القديمة، أو المهرية، في روايات أخرى، باسم "الجبّاليين" تمييزاً لهم عن سكان سهل صلالة ونواحيها. فيما يرى الباحث علي بن أحمد الشحري أنها الشحرية بشحمها ولحمها، وهي من اللغات القديمة وواحدة من أقدم اللغات العربية القديمة التي تنتمي إلى الجذور الأولى للغة قوم عاد. وهي لغة غير مكتوبة كالثمودية والسبأية والفينيقية، يتحدثها 88% من سكان ظفار.
(14) تمتاز صلالة بمناخها الاستوائي المعتدل، حيث تنمو أشجار جوز الهند عوضاً عن النخيل التي لا تنمو إلا في المناخ الحار. وبسبب هذا المناخ أضحت وجهة سياحية محببة لكثير من سكان الخليج والجزيرة العربية.
(15) اهتمت، مؤخراً، إلى جانب السعودية كل من الإمارات وقطر باستعادة قطعان من المها العربي وحفظ سلالتها في محميات خاصة بها، حتى أن دولة قطر جعلت من رأسه وقرنيه المُميزين شعاراً للخطوط الجوية القطرية فيما يشبه نزاعاً إقليمياً إلى هويتهِ، يرحِّبُ به الجميع.
دمتم جميعا بالف عافيه

عاشق التحدي
12 - 11 - 2009, 10:04 AM
كاتب مثقف لك مني كل التحايا

مطنوخ
13 - 11 - 2009, 02:11 AM
كاتب مثقف لك مني كل التحايا


اخي الكريم عاشق التحدي
اشكر اطراك والف بوسه من حفيده مطنوخ
ههههههههههههههههههههههههه
دمت بالف عافيه

معسف القاف
13 - 11 - 2009, 09:17 PM
امتعتنا بالقراءه

جزاك الله كل خير اخي العزيز مطنوخ

علومك غانمه دائماً

مطنوخ
22 - 1 - 2010, 11:48 PM
امتعتنا بالقراءه

جزاك الله كل خير اخي العزيز مطنوخ

علومك غانمه دائماً


المعذره اخي الكريم/ معسف القاف
على التأخبر انا بالفعل تجيني فغره على قولت اختي جنان
وانسى من مواضيعي ، لو لم احتاج ان انسخ منها وتذكري لها كان
اصبحت نسيا منسيا ، لااخفيكم اني تفأجات بارتفاع القراءة للموضوع رغم عدم رفعه

على كل حال الله يجزيك خير انت اخي معسف والمعذره
دمت بالف عافيه

مطنوخ
24 - 1 - 2010, 07:50 PM
إخواني وأخواتي أعيد محتوى المشاركة 2 بعد أن أختفة الصور
الأشياء العجيبة التي حدثنا عنها النبي عليه الصلاة والسلام، حديث يدلنا على تاريخ الصحراء في الجزيرة العربية، أو على أرض العرب إجمالاً، ويحدثنا عن شيء سوف يحدث بعد فترة من الزمن، يقول صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً) [حديث صحيح].
طبعاً هذا الحديث لا يمكن أن يتصوره إنسان يعيش في القرن السابع الميلادي، أي في العصر الذي قيل فيه هذا الحديث، لأنه لا أحد يتخيل أن الصحراء ستنقلب إلى مروج وأنهار، ولو تخيل ذلك لا يستطيع أن يتخيل أن هذه الصحراء كانت فيما قبل مغطاة بالأنهار والبحيرات والنباتات والمروج. ولكن النبي عليه الصلاة والسلام وهو الذي لا ينطق عن الهوى حدثنا عن هذا الأمر، وهذه معجزة تشهد على صدقه، ولم تنكشف أمامنا إلا حديثاً جداً.
في منتصف القرن العشرين بدأ العلماء يدرسون ما يسمونه دورة الطقس أو دورة المناخ، ووجدوا أن هنالك دورة للكرة الأرضية ليس حول نفسها أو حول الشمس أيضاً محور الأرض يدور حول نفسه، فالآن الأرض تميل أثناء دورانها على محورها بحدود 23 درجة ونصف عن هذا المحور، وبسبب هذا الميلان ينشأ كما نعلم الصيف والشتاء والربيع والخريف. ولكن هذا المحور مثلاً قبل آلاف السنين كانت درجة ميلانه أكبر مما هي عليه اليوم، وقبل ذلك كانت أكبر، ولذلك فإن الأرض كانت تمر بعصور يسمونها العصور الجليدية، ومنذ أكثر من عشرين ألف سنة كانت أوروبا (قارة أوربا) مغطاة تماماً بطبقات من الجليد يبلغ سمكها مئات الأمتار، هذه الطبقات التي غطت قارة أوربا بالكامل قالوا إنها حدثت في العصر الجليدي منذ أكثر من عشرين ألف سنة.
بدأ علماء وكالة ناسا في رحلتهم حول كوكب الأرض باستكشاف المناطق الأثرية، والمناطق التي تحوي الثروات الطبيعية مثل الغاز والبترول وغير ذلك،ويبحثون عن المعادن، وبحثوا في كل مكان. وأخيراً قالوا لماذا لا نبحث في صحراء الربع الخالي، وهي صحراء تمتد آلاف الكيلو مترات وهي خالية تماماً، يعني لا تكاد تجد فيها إنسان ولا بشر، ويستحيل على عقل إنسان أن يصدق أن هذه المنطقة كانت ذات يوم مغطاة بالأنهار والمروج.

http://www.55a.net/firas/ar_photo/1201357003al_khali_1.jpg (http://55a.net/firas/arabic/index.php)
صورة بالقمر الصناعي لصحراء الجزيرة العربية، وهذه المنطقة هي الأكثر جفافاً وخطورة في العالم، ولا يمكن لبشر أن يتوقع أن هذه المنطقة كانت ذات يوم تعج بالحياة والأنهار والغابات الكثيفة والمروج التي تمتد لآلاف الكيلو مترات.
مطنوخ

بعد استخدام تقنيات المسح عن بعد، وجد العلماء آثاراً لغابات كثيفة ومروج تمتد لآلاف الأمتار. ويقول العالم الذي أشرف على هذا الاكتشاف قال بالحرف الواحد: "إن هذه المنطقة كانت ذات يوم مغطاة بالأنهار والبحيرات العذبة والنباتات والمروج، وأن هذه المنطقة كانت في ذلك اليوم أي الماضي أشبه بأوربا اليوم" يعني كانت تماماً تشبه أوربا في أنهارها ومروجها وأشجارها.
يقول الدكتور McClure في أطروحته للدكتوراه عام 1984 في لندن: إن منطقة الربع الخالي تشكلت قبل حوالي مليوني سنة، ولكن هذه الصحراء لا تبقى على حالها بل تتبع نظاماً جيولوجياً مدهشاً. حيث نلاحظ أن الأنهار والغابات تغطي هذه المنطقة كل فترة من الزمن.
http://www.55a.net/firas/ar_photo/1201357045al_khali_2.jpg (http://55a.net/firas/arabic/index.php)
أرسلت وكالة ناسا ذلك القمر الصناعي التابع لهم، وبدأ بالتقاط الصور بالأشعة تحت الحمراء، وبالأشعة الراديوية وباستخدام كل التقنيات المتاحة لديهم، وبعد أن أخذوا الصور (هذه الصورة تظهر لنا ما تحويه الأرض على عمق عدة أمتار تحت الرمال وتغطي مساحة 8000 كيلو متر مربع من الربع الخالي) وعندما قاموا بعرض هذه الصور وجدوا أشياء عجيبة. فقد وجدوا أن هذه المنطقة فيها آثار كثيرة لأنهار قديمة (أنهار كانت تتدفق بغزارة). ووجدوا آثاراً لبحيرات أيضاً. وقد تم تلوين الأنهار باللون الأزرق في الصورة.

يتابع الدكتور McClure: قبل 37000 وحتى 17000 سنة كانت مغطاة بالمروج والأنهار العذبة، ثم بعد ذلك حدث تغير في المناخ، وتشكلت الصحراء من جديد، وبعد ذلك أي قبل حوالي 10000 إلى 5000 سنة عادت وغُطيت بالمروج والغابات والبحيرات والأنهار. وهكذا وفق دورة عجيبة! وقد عثرنا في منطقة الربع الخالي على أسنان لفرس النهر، وكانت بحالة جيدة، وعثرنا على آثار لمخلوقات نهرية عديدة وحيوانات مثل الجمال والخراف والغزلان كانت ترعى ذات يوم!
ويتساءل الدكتور McClure هل يمكن للأمطار الموسمية أن تعود بغزارة إلى منطقة الربع الخالي فتعود البحيرات والمروج والأنهار من جديد؟ هناك بعض المؤشرات لذلك، ففي صيف 1977 جاءت أمطار موسمية ونزلت في الشمال الشرقي للربع الخالي ولكن بنسبة محدودة، ويرجح الدكتور McClure أن تعود الأمطار وتعود البحيرات والمروج إلى هذه المنطقة في وقت ما في المستقبل (مع أنه لم يطلع على الحديث النبوي!!).
http://www.55a.net/firas/ar_photo/1201357079al_khali_3.jpg (http://55a.net/firas/arabic/index.php)
تغطي صحراء الربع الخالي 650 ألف كيلو متر مربع، ويقول العلماء: (إن هذه المنطقة وبسبب تغير دورة الطقس سوف تعود إلى وضعها السابق أي كما كانت) يعني كانت مغطاة بالأنهار، وبعد فترة ستعود هذه الأنهار كما كانت، إذاً نحن أمام دليل مادي موثوق، أن هذه المنطقة كانت مغطاة بالأنهار وسوف تعود كما كانت عليه، وهذا ما أشار إليه الحديث النبوي قبل أربعة عشر قرناً: (لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً).

والعجيب أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقل (حتى تأتي المروج والأنهار).. لا.. بل قال: (حتى تعود) لماذا؟ نستطيع أن نستنتج أنها كانت كذلك وستعود إلى ما كانت عليه، فأرض العرب كانت مروجاً وأنهاراً وستعود، وهذا ما يقوله العلماء بالحرف الواحد، وصوروه بأجهزتهم، ولذلك نحن اليوم أمام حقيقة يقينية لا يمكن لأحد أن ينكرها أو يشكك في صدقها. بل يقولون إن ما يميز صحراء الربع الخالي قبل عدة آلاف من السنين أنها كانت مغطاة بالأعشاب والمروج بشكل جذب الكثير من الحيوانات إليها.
لقد وجد الدكتور فاروق الباز مدير مركز الاستشعار عن بعد في جامعة بوسطن الأمريكية، أن نهراً يمتد لمسافة طويلة دفنته رمال الصحراء في الربع الخالي، وهذا النهر كان موجوداً قبل ستة آلاف سنة ويبلغ عرضه 8 كيلو متر وطوله 800 كيلو متر، وكان يعبر قلب الجزيرة العربية. هذا النهر كان ينبع من جبال الحجاز ويمتد ويتفرع إلى دلتا تغطي أجزاء كبيرة من الكويت حتى يصب في الخليج العربي.
http://www.55a.net/firas/ar_photo/1201357124al_khali_4.jpg (http://55a.net/firas/arabic/index.php)

هذا النهر بداية اعالي جبال السروات ثم الى وادي بيشه العظيم ثم الى الربع الخالي وبحيرة شنه
انظر كتاب هاري سانت فلبي (عبور الربع الخالي ترجمة مكتبة العبيكان)
مطنوخ

صورة بالقمر الصناعي LANDSAT لجزء من صحراء الربع الخالي ويظهر عليها أنهار مدفونة تحت الرمال، وقد التقطت هذه الصورة وكالة الفضاء الأمريكية ناسا عام 1993 وأثبت العلماء بواسطة هذه الصور أن جزية العرب كانت مروجاً وأنهاراً!!! ويقول الباحثون إن منطقة الربع الخالي تحوي أكبر حقل نفط في العالم! وأنها من الممكن أن تزدهر مستقبلاً (وهذا ما عبر عنه النبي الكريم بقوله "تعود")!

لقد لاحظ الباحثون أن الغيوم تميل للتشكل فوق الأراضي المزروعة بنسبة أكبر من الأراضي القاحلة، ولذلك يقترحون (في دراسة جديدة Craig Dremann) أن يتم تشجير منطقة الربع الخالي وهذا سيساهم بجذب الغيوم إلى هذه المنطقة ونزول كميات كبيرة من الأمطار، وقد تعود كما كانت مروجاً وأنهاراً!
لقد قام الدكتور بلوم Ron Bloom من وكالة ناسا ببحث على الصحراء في جزيرة العرب ووجد أن هذه الصحراء كانت ذات يوم مليئة بالأنهار والمروج وحيوانات كثيرة كانت ترعى، وهي أشبه بأوربا اليوم! ووجد أن نفس الحقيقة تنطبق على الصحراء العربية جنوب ليبيا.
ويقول الدكتور بلوم إن أول مرة في التاريخ يعلم فيها الناس أن الجزيرة العربية كانت ذات يوم مغطاة بالأنهار في عام 1972 من خلال الصور الملتقطة بالأشعة الكهرطيسية بواسطة القمر الصناعي Landsat-1 حيث مكنتنا هذه التقنية من رؤية ما لم يره أحد من قبل! ثم في عام 1981 التقطت بعض الصور التي أكدت وجود آثار لمجاري أنهار في الصحراء، وفي عام 1994 تأكدت هذه الحقيقة أكثر.
http://www.55a.net/firas/ar_photo/1201357161al_khali_5.jpg (http://55a.net/firas/arabic/index.php)
صور ملتقطة بالقمر الصناعي التابع لوكالة ناسا تبين أن منطقة الصحراء العربية كانت أيضاً مغطاة بالأنهار والبحيرات والمراعي، ويقول العلماء إن هذه المناطق أهملها الناس خلال مئات السنين لأنهم اعتقدوا أنها صحراء منذ أن خُلقت ولا يمكن لشيء أن يوجد فيها. وهنا نتساءل: مَن الذي أوحى لمحمد صلى الله عليه وسلم بهذه المعلومة التي لم يكشفها إلا علماء وكالة ناسا بعد 1400 سنة؟!!!

إذاً لم يعلم العلماء بحقيقة شبه الجزيرة العربية وما تخفيه إلا في أواخر القرن العشرين أي بعد أربعة عشر قرناً من حياة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وتأكدوا أن هذه الأنهار لابد أن تعود يوماً ما بسبب التغيرات المناخية، أليس هذا بالضبط ما أخبرنا به الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام عندما قال: (لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً)؟!
ما هو هدف هذه الحقيقة الكونية؟
وهكذا يتجلى أمانا بوضوح أن أرض العرب وهي اليوم في معظمها صحراء، كانت ذات يوم أنهاراً ومروجاً وسوف تعود، بما يتطابق مئة بالمئة مع الحديث النبوي الشريف. وهنا لا بد أن نطرح أيضاً هذا السؤال: لماذا حدثنا النبي الأعظم عليه الصلاة والسلام عن هذه الحقيقة الكونية وربطها بيوم القيامة؟ وما الذي يدعو هذا النبي الأمي إلى الحديث عن قضايا كونية ستحدث بعد آلاف السنين؟ إن هذه الأحاديث عندما تثبتها الأيام وتكشف لنا عن صدقها، إنما هي رد مادي على أولئك الملحدين الذين يدعون أن النبي نقل معلوماته من كتب الأولين، أو أنه كان يريد الزعامة والمال والشهرة!!!
نحن نعلم أن هنالك مئات الأحاديث التي تحدث فيها النبي عليه الصلاة والسلام عن معجزات علمية لم تنكشف إلا في هذا العصر وكأن النبي عليه الصلاة والسلام يخاطب هؤلاء الناس، يخاطب الملحدين أولاً المشككين برسالته، يخاطبهم ويقول: اعلموا أن الساعة سوف تأتي، وأن الله تبارك وتعالى سوف يهيئ لكم أحداثاً وظروفاً وتغيرات كونية تدلكم على اقتراب الساعة فهل تعودون إلى كتاب ربكم وإلى سنة نبيكم عليه الصلاة والسلام.
فكما أنكم ترون بأعينكم هذه الصور التي التقطتها الأقمار الاصطناعية لجزيرة العرب ولأكثر المناطق خلواً في العالم (صحراء الربع الخالي) ورأيتم ما تحويه من آثار لأنهار ومروج وبحيرات. وأن النبي صلى الله عليه وسلم عندما حدثكم عنها وقال لكم:
(لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً). فإن هذه الظاهرة لم تكن معلومة أبداً من قبل، لم يكن أحد يتصور أن المنطقة الأكثر جفافاً في العالم كانت مروجاً وأنهاراً، بل الأعقد من ذلك أن هذه الصحراء ستعود كما كانت!! إذاً هذا الحديث يشهد على نبوة المصطفى عليه الصلاة والسلام في هذا العصر.

دمتم جميعا بالف عافيه

</B></I>

مطنوخ
24 - 1 - 2010, 08:46 PM
نواصل معا الرحالة الغربيين وفي التالي :
برترام توماس
منقول معا بعض التعديلات او حذف الغير مناسب ، ما شجعني على المتابعة هو ارتفاع القراءة
للموضوع علما بان الموضوع على العموم هو صالح للباحث في كل اوجه الجزيره العربيه
((مطنوخ))

http://www.gulfup.com/gfiles/12568164771.gif (http://www.gulfup.com/gfiles/12568164771.gif)




http://www.gulfup.com/gfiles/12568164773.jpg (http://www.gulfup.com/gfiles/12568164773.jpg)
صورة برترام توماس الحاكم البريطاني 1917م مع شيوخ المنتفق


النيل والفرات:
صاحب هذه المذكرات هو الكابتن براترام. أسس.توماس أحد الضباط الإنكليز الشباب الذين عينتهم الإدارة البريطانية في العراق وأعطتهم مقاليد وصلاحيات في مناطق واسعة. كان فارساً في الحرس الوطني لشمال سومر سيت في الغلاندرز عام 1914. اشتغل في عدن واستطاع أن يعبر الربع الخالي في الجزيرة العربية برحلة موفقة دونها في كتابه "عبر الربع الخالي في بلاد العرب". ثم شغل منصب مساعد الضابط السياسي في سوق الشيوخ في 6 آذار 1918، ونقل إلى الشطرة في 6 شباط 1919، وبعدها إلى بغداد في 6 شباط 1920 مساعداً ثانياً في سكرتارية الدخل الحكومى ومنها أعيد إلى الشطرة ثانية في حزيران 1920، وبعد 30حزيران 1920 أضيفت له قلعة سكر... وفي آب 1921 ودع الشطرة.
وكان المسترتوماس من جماعة فيلبي المناوئين لتنصيب فيصل ملكاً على العراق ولذلك قابله حين نزل من القطار في الحلة قبيل وصوله إلى بغداد من البصرة عند أول مجيئه إلى العراق، بكل صلف وصارحه علناً بحضور مرافقيه قائلاً "أن الأهالي لا يريدونك"، ومع هذا فقد أبقاه الإنكليز مفتشاً إدارياً إلى سنة 1924 حيث فصل عن الخدمة في العراق برغم إلحاح مستشار الداخلية/كورنواليس/على إبقائه. ثم شغل وظيفة وزير المالية لسلطنة مسقط وعمان ثم رئيساً للوزراء فيها.

والمذكرات التي يكتبها الكابتن توماس في هذا الكتاب تعد مصدراً مهم من مصادر التاريخ السياسي للعراق وعمان، وفيه سرد الحوادث والمواقف التي عاشها بنفسه ضمن منطقته وحسب منظوره الشخصي، فإذا ما قورنت هذه المذكرات مع ما أورده بعض القادة العسكريين البريطانيين أو رجال الثورة العراقيين في مؤلفاتهم، نجده يختلف مع القادة العسكريين البريطانيين أو رجال الثورة العراقيين في مؤلفاتهم، نجده مع القادة أحياناً ومتفقاً مع الثوار، وأخرى بالعكس. فهو ينظر إلى الثورة على وجه العموم نظر من وكل إليه قمعها باعتبارها تمرداً في مفهوم المحتلين، لذلك لم يجد بهاً من أن يتغافل أو يغفل ذكر بعض الأمور، بقصد أو بغير قصد.

وعلى كل حال يضم كتابه المترجم هذا بيت دفتيه معلومات قيمة مهمة عن هذه الثورة الأم بقدر ما تيسر له-بصفته كما ذكرنا-معاون حاكم سياسي، وحاكماً سياسياً-من تقارير ورسائل إدارية وسياسية وعسكرية وما حصل عليه من خبرة شخصية وهو يدير الحركات الحربية إزاء الثوار البواسل.

وبالنظر للأهمية التي تحتلها هذه المذكرات فقد اعتنى كما أسفنا بترجمتها وبالتعقيب عليها ببعض التعقيبات والاستدراكات والتصويبات المثبتة في الهوامش والتي يتم فيها إجلاء بعض الحقائق وذلك ليكون القارئ على بينه من مجريات الحوادث. كما وقام المترجم بالتقديم للمذكرات بتمهيد يوضح موقف لواء "المنتفق" بمناطقه: سوق الشيوخ والشطرة وقلعة سكر والغراف والناصرية من الثورة العراقية ومقدمتها، وختمها بملحق يضم تاريخ الشطرة بقلم الشيخ محمد باقر لشبيبي الذي كتبه عام 1918 خصيصاً للشيخ أحمد أطينش الذي كلفه الكابتن توماس بوضع تاريخ مختصر لمدينة الشطرة والعلاقات العشائرية فيها. كما وطعم المذكرات بمجموعة من الصور تخص المناطق الوارد ذكرها وأعلامها طي المذاكرات، وبعض الوثائق الخاصة بها.


برترام توماس" في جبال عُمان


--------------------------------------------------------------------------------

يشير “جيرار لكليرك” في كتابه الانثروبولوجيا والاستعمار، الى ان الانثروبولوجي يزعم أحيانا بما له من علم ومعرفة، انه في الموقع المناسب الذي يتيح له فهم الشعوب الاصيلة، بل واتخاذ الموقف اللازم تجاهها، فالمواطن الذي يكتم مشاكله ولا يعرضها على الاداري (الغربي بالطبع)، وان كان هذا مهتما بالانثروبولوجيا، يعرضها بسهولة اكبر على شخص مستقل نسبيا عنه أو غريبا عن اهدافه المباشرة. وعلى الرغم من كل نواياه “الطيبة” لا يستطيع الاداري “الغربي، الكولونيالي” ان يفهم الشعوب الأصيلة فهما حقيقيا، ان نظرته لا تكون في احسن الحالات إلا جزئية ومشوهة.



صحيح ان بإمكان السياسي ان يكون انثروبولوجياً، يضيف لكليرك، فهذا ما حصل بالفعل أحيانا بخاصة مع الرحالة البريطاني “برترام توماس” ولكن بما ان الانثروبولوجيا قد حصلت على استقلاليتها، لذا كان على السياسي ومنهم توماس ترك وظائفه القديمة، ولذا ينزع الاداريون الانثروبولوجيون الى الاختفاء لحساب الانثروبولوجيين التطبيقيين.

لم يكن “توماس” اداريا بريطانيا، ورحالة فقط، كان له ريادة اجتياز صحراء الربع الخالي، فسجل هذا الانجاز باسمه في الغرب، بل كان انثروبولوجيا تخفى تحت رداء الاداري، لينقلب وهو يتجول في مناطق متفرقة من عمان، الى انثروبولوجي واثنولوجي وقبل هذا وذاك الى “كولونيالي عريق”، رغم انه بمجرد مروره بمناطق بعض القبائل “الجبلية بخاصة ومنهم القرا” فإنه بات خبيرا بعاداتهم وتقاليدهم وأصولهم ومعتقداتهم، الى الحد الذي جعله يصدر أحكاما حول ابناء هذه القبائل أقل ما يمكن ان نصفها بالتسرع، ان لم يكن بالتجني الكامل المملوء بالتحامل العرقي، المتأتي من النظرة الاستعلائية التي لا يمكن ان تخفى على القارئ الحصيف.

** اثناء فترة استعداداته لرحلته التي اجتاز خلالها صحراء الربع الخالي يذكر “توماس” انه اختار لمرافقته مجموعة من البدو من قبيلة الرواشد. هم سهيل وخويتم ومعيوف. وقد اختار “ثيسجر” بعده ايضا عددا من بدو الرواشد لمرافقته اشتهر منهم “بن كبينة” و”بن غبيشة”. ويصف توماس هذه القبيلة بأنها “أهم قبيلة في منطقة الرمال الجنوبية ولم اكن لأستطيع اجتياز الربع الخالي بنجاح من دون مساعدتها” وقد وجد “توماس” بالفعل الاستعداد لدى هذه القبيلة لمساعدته. فكرت في تجهيز فرقة تحملني الى بعض عيون الماء الواقعة على حافة الصحراء حيث يحتمل وجود ثلاث من هذه العيون، وان اعهد الى قبيلة الرواشد بانتظاري هناك لتأخذني الى وجهتي وقد بنيت هذا القرار على أساس العلاقة السابقة التي تربطني بهذه القبيلة وما لمسته من استعداد لديها لمساعدتي.

وحين التقى “خويتم” و”معيوف” كشف لهما عن خطته لاجتياز الرمال بمساعدة من قبيلتهم بعدما اخذ عليهم عهدا بعدم افشاء السر، ووعدهما بمكافأة سخية ان التزما بذلك. وبعد هذا الاتفاق “خرجا مودعين وكانت لهجتهما الى حد كبير تبين معدنهما الصلب وقوة ارادتهما” ثم تحركا في طريقهما الى منطقة الجبال حيث كان هناك احد زملائهما ويدعى “سالم طميطم”، وكان الغرض من التوجه اليه ان يزودهما بأفضل انواع الجمال ومن هناك يتسللان سرا الى الصحراء.

وقد علق “توماس” على عودتهما ببعض رجال القافلة التي سترافقه آمالا كبيرة وإلا سيكون الفشل من نصيبه، وبقي ينتظرهما في ظفار “يحدوني أمل ضعيف في نجاح المهمة التي جئت من اجلها”. وعند اقامته في ظفار يصف المنطقة بأنها تعد من المناطق المحظوظة “فهي تتميز بمناخ فريد، اذ تهب عليها الرياح الموسمية القادمة من الهند خلال شهور الصيف، فتسبب هطول امطار غزيرة عليها وتحيلها الى فردوس مقيم، وعلى هضاب هذه المنطقة تتكاثر اشجار اللبان التي يرجع لها الفضل في شهرة هذه المنطقة. فهذا المحصول القيم مصدر رخاء منطقة ظفار على مر العصور، وظفار تلك التي نعنيها هي غير ظفار الريان التي تقع في اليمن” ويتحدث عن القبائل التي تستوطن المنطقة فيذكر بأنهما “قبيلة القرا التي تقيم في منطقة الجبال، وتعتمد في حياتها على الرعي وزراعة اللبان، وقبيلة آل كثير التي تعيش على الصيد والزراعة في القرى الواقعة على السهل، وعندما يضطرب البحر في شهور الصيف الممطرة وتهب العواصف ويتعذر الصيد تهاجر هذه القبائل من السهل الى المرتفعات حيث تتوافر المراعي ويحل موسم حصاد اللبان”.

مدينة صلالة

وفي مدينة صلالة التي وصلها لمقابلة احد “أغنى تجار المنطقة” حل ضيفا عليه ونزل في قصره، ويصف مباني المدينة العالية المتعددة الطوابق والمبنية من الاحجار المنحوتة من تربة السهل بأنها تشكل منظرا ساحرا فضلا عن الزخرفة والتشكيلات المتنوعة والتي كانت في مجموعها رمزا لعصر من العصور، حيث تعتبر زخرفة السقوف التي تسمى بلهجة اهل المنطقة ب “التباشير” السمة المميزة للبيوت الكبيرة وتتم هذه الزخرفة في زوايا السقوف وفي الاطراف وهي تشبه الزخرفة التي كانت سائدة في بترا ومعان في عهد النبطيين. وقد علمت بأن هذا النوع من الزخارف منتشر في منطقتي الشحر والمكلا وغيرهما من مناطق حضرموت ولم ير ما يشابه هذه النقوش والزخارف في عمان.

ومن الاسئلة المتوقعة التي يمكن ان يوجهها بدو المنطقة لرجل اجنبي يختلف عنهم في الشكل والحجم واللون واللغة، حيث يذكر توماس ان احد شيوخ القبائل سأله يوما: لماذا أنتم ايها الاوروبيون كبار الحجم بينما نحن لسنا كذلك؟

يقول: فأجيت، لعل السبب في ذلك هو المناخ والتربة. فرد عليه الرجل البدوي: ان العالم هو الله. اننا اصغر قامة من اجدادنا، انظر الى القبور في منطقة خور روري تجد ان طول الواحد منها عشرين قدما، لقد كانت اجسام اجدادنا بهذا الحجم وتلك القامات، يقول توماس: فأومأت اليه بالايجاب مؤكدا على قوله، الله العالم فعلا. حتى لا امس شعوره الديني.

ليعود ويتحدث مجددا عن السمات العرقية والسلالات، ويورد معلومات في هذا الصدد كتبها الجنرال ميتلاند، المقيم السياسي البريطاني في عدن في ذلك الوقت “يذكر توماس ان معرفته بالمنطقة بدأت من عام 1915 الى ان قام برحلته الاولى عام 1927”.

ويذكر د. جواد علي في مؤلفه “المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام: “ان عرب شبه الجزيرة العربية ينحدرون على ما يبدو من اصلين مختلفين ومتميزين. فالنظرية السائدة عن قسمات العربي، هي انه الرجل الطويل اللحية الأملس الوجه كالصقر، غير ان عرب جنوب شبه الجزيرة اصغر قامة وأخشن تقاطيع وأكثر سمرة وغير ملتحين تقريبا، وتجمع كافة المصادر على ان عرب الجنوب ينحدرون من أصل حبشي. ومع ذلك فيبدو من الغرابة بمكان ان نقرر ان المصريين وعرب القارة الافريقية هم العرب الاقحاح بين العرب الساميين، اما عرب الشمال فهم عرب مستعربة أي انهم عرب بالتجنس والاستيطان اكثر كونهم عربا بالسلالة.

بل ان علماء التاريخ العرب والحديث انفسهم يذهبون الى ان العرب ينحدورن من أصلين: قحطان وعدنان ومع ذلك فإن العرب الذين يقطنون الآن مناطق من شبه الجزيرة العربية من احد هذين الأصلين ينتمون في الواقع الى سلالات متباينة”.

وكما نرى هنا فإن “توماس” كرحالة اهتم بعلم الانساب والسلالات وقبله كثير من الرحالة والعلماء الاوروبيين امثال جليسر وبيرتون وراتنجز وبعده ايضا من الباحثين المهتمين بعلم السلالات من السوسيولوجيين والانتروبولوجيين والاتنوغرافيين والآثاريين، فقد اهتم الغرب بهذا العلم لأهميته في رسم تصورات متكاملة عن شعب معين أو أمة معينة عاشت أو ورد ذكرها في كتب التاريخ، أو تحديد صورة مجتمع من المجتمعات البدائية منها أو الحديثة وعلاقة ذلك بحدث معين من احداث التاريخ، هنا تنتفي التهمة الموجهة للعرب بأنهم أمة عصبية أي متعصبة لعرقها، أو هي أمة تعلي من شأن القبيلة أو ما الى ذلك من التهم، والحقيقة ان البحث في اسباب عناية العرب بأنسابهم موضوع يطول الحديث فيه، ولكن ما يهمنا هنا ان الدين شذّب عصبية العربي وان كانت عصبيته لا تعبر تعبيرا سلبيا عن “تفوق عرقي” بقدر ما كانت تعبر عن هوية وانتماء لقبيلة كانت تمثل للبدوي في صحراء مترامية الاطراف سلطة وحيدة يمكن ان تحميه وتحمي حقوقه ودمه قبل نشوء الدول يمكن ان يلجأ اليها طلبا للحماية. اننا نجد ان كثيرا من الأمم الشعوب الاخرى تنتمي الى آباء واجداد، وليس العرب وحدهم، فهيلين، هوجو دورس، ومنه اخذ الهيليون اسمهم هذا. وكان للرومان فالفرس وللهنود وللاوروبيين أجداد انتموا اليهم واحتموا بهم وتعصبوا اليهم على نحو ما نجده عند العرب و”الاسرائيليين” وبقية الساميين. وكما اهتم توماس بعلم السلالات، اهتم ايضا بتاريخ الحضارات التي كانت سائدة في منطقة شبه الجزيرة العربية، فيذكر ان الكتب والآثار المتخلفة في المناطق الجنوبية الغربية من الجزيرة تدل على وجود حضارات سبئية أو معينية قديمة قد اندثرت قبل ظهور الاسلام في القرن السادس بعد الميلاد. كما ان هناك آثاراً لمستعمرات اغريقية وآرامية، كذلك فقد تعرضت هذه المنطقة للغزو الحبشي والروماني خلال تاريخها. ثم يتساءل: من يكون هؤلاء العرب يا ترى؟ ويكمل بالقول: “لو افترضنا ان الاجابة عن هذا السؤال من اختصاص علماء الاجناس، كما هو الأمر فعلا، فإن جمع الأدلة والمعلومات عن عرب الجزيرة العربية يعتبر أمر مهما وعلى الاخص خلال هذه الرحلة التي اقوم بها”.

وقد جمع بالفعل مجموعة من الجماجم البشرية القديمة وأرسلها الى انجلترا لدراستها. ويروي كيف استطاع ان يحصل على جمجمة انسان في غفلة من مرافقيه وجدها بالصدفة في كهف مهجور: “اثناء رحلتي خلال عامي 1929 1930 كنت في منطقة حاسك، مررت بالصدفة بأحد الكهوف ويبدو ان بعض الحيوانات المتوحشة قد هاجمت ذلك الكهف في وقت من الاوقات وكان الوقت نهارا، ففكرت في التوقف في هذا المكان واخترت منطقة قريبة من الكهف ولم يعرف أي انسان بأن الجمجمة التي كانت في ذلك الكهف قد انتقلت الى خيمتي، ولكن عظمة الفك لم تكن في الجمجمة كما ان القسم الاكبر من الهيكل لم يكن موجودا. وقد أخذت هذه الجمجمة معي الى مسقط، ومنها الى كلية الجراحين الملكية في لندن”.

دراسة لهجات القبائل

كما اهتم “توماس” بموضوع لهجات القبائل من الناحية اللغوية Phelology حيث درس لهجات قبائل الشحرة والمهرة والبطاحرة والحراسيس، بل وأعد جدولا خاصا بهذه اللهجات يتألف من 500 كلمة لكل منها. كما استخلص بضعة قواعد لغوية بسيطة، وأرجع اصول هذه اللهجات الى المجموعة السامية. ويذكر ان هذه اللهجات لها جذور اساسية في اللغة الحبشية اكثر مما في اللغة العربية على حد قوله. وهنا ايضا يستشهد بآراء للغويين متخصصين حيث يفصل الأمر بالقول في هذا المجال “فالفصائل القبيلة التي تتكلم لغة الشحرة هي قبائل القرا والشحرة وبورحمة وبيت الشيخ، واللهجة المهرية تتكلمها قبائل المهرة، ولهجة البطاحرة تتكلمها قبائل البطاحرة، ولهجة الحراسيس تتكلمها قبائل الحراسيس وعفار.. وبالنسبة للهجة الشحرية فلا يفهمها الذين يتكلمون اللهجات الاخرى ويصعب التفاهم بينهم، ولم اكن اعرف من قبل بأن الدكتور ماكسمليان بتنر عالم اللغات الألماني قد تعرض الى موضوع اللهجتين الشحرية والمهرية وذلك في سياق تعليقه على المعلومات التي سبق ان جمعها الدكتور موللر في كل من حضرموت وسومطرة خلال رحلته الى شبه الجزيرة العربية سنة 1902 ثم حول ما جمعه الكونت لاندبرج.. عن رحلته الى المنطقة خلال 1899 1989 ويبدو ان لهجة الحراسيس والبطاحرة تختلف عن لهجة المهرة ولكن لم يقم احد بالبحث في هذا الموضوع”.

وتحدث عن “الختان” كعادة من العادات ذات الأهمية البالغة عند قبائل المنطقة حين سأله بدويان: هل تمارسون يقصدان الانجليز الختان؟ يقول فرددت عليهما بالايجاب ولكني قلت ان الختان ليس اجباريا عندنا. فقالا: معنى هذا ان هناك بعض الاشخاص لم تجر لهم عملية الختان؟ فرددت عليهما بالايجاب.. وهنا قال محدثاي “غفر الله لكم” ثم يضيف توماس معقبا على كلام سائليه، يعتبر الختان من العادات ذات الأهمية البالغة بين هذه القبائل ويختلف عنه في انحاء شبه الجزيرة العربية الأمر الذي يوحي بأن للختان جذوراً تكاد تكون مستقلة”. ثم يورد وصفا لطقوس عملية الختان، وكيف و”اين تجرى، والغريب أنه يقارن بينه “كعادة” وما كان متبعا في مصر في العصور القديمة، ثم يصف الاحتفالات المصاحبة لهذه المناسبة ولكنه لا يأتي أبدا على المسألة ربط عملية الختان بالدين الاسلامي ولا يتطرق اليها ولو تلميحا.

كما ذكر بعض معتقدات القبائل حول السحر ورد العين الشريرة وطرق عدم الاصابة بها، فيذكر بأن “هناك اعتقاداً بين سكان القرى الساحلية بأنه عندما يبني احدهم بيتا فإن أول شيء يفعله عند بناء البيت هو دق مسامير طويلة في الاركان الاربعة منه بقصد رد العين. وعندما يتم بناء البيت يقوم صاحبه بذبح خروف على عتبته كقربان يحفظ البيت من الشر ويديم لأهله الخير، وذلك على غرار ما نفعله نحن في الغرب عندما تسكب زجاجة من النبيذ عند تدشين البواخر. وفي بعض مناطق عمان يقوم صاحب البيت بعد الانتهاء من بنائه بذبح ماعز ورش شيء من دمها عند عتبة البيت. وهذا التقليد معمول به في ظفار ايضا وان كان يختلف في تلك المنطقة بعض الشيء حيث تجرى العملية في اثناء بناء المنزل، وليس عند الانتهاء منه، ويوزع لحم تلك الماعز على عمال البناء، وأما الدم فيرش بطريقة عشوائية على جدران المنزل”. “كما تكسر بيضتان عند عتبة البيت وبيضتان اخريان على السلم ومثلهما على السطح” وما زالت الى اليوم الدراسات والبحوث حول هذه المواضيع المرتبطة بمعتقدات وعادات الشعوب من قبل الانثروبولوجيين والفلكلوريين، ويمكن ان نذكر هنا أهم المواضيع التي تطرق اليها توماس ودونها في كتابه “العربية السعيدة” والذي يعد سفرا يكاد يكون شاملا حيث لم يحوِ فقط ما يمكن ان نطلق عليه وصف خط سير الرحلة، بل هو مجموعة من البحوث والاستقصاءات والاستطرادات تدخل في صلب تاريخ منطقة جنوب شبه الجزيرة العربية، ومن أهم تلك المواضيع يمكن ان نجد اضافة لبعض العادات والمعتقدات المرتبطة بالسحر والزواج والختان فقد تطرق الى موضوع، الاضرحة ومواقعها، وأكثر القبائل خبرة بالطرق التي تؤدي الى الرمال، وعنايته ببعض النقوش والخطوط على بعض الصخور التي صادفها، خيمة الرحالة وأجهزته، وحياة الجمل في الصحراء، وذكره لأهم الأودية ووصفها، كما تحدث عن البدوي ومقدرته على حل الغاز الصحراء، كما استعان كما ذكرنا بمعلومات أو بآراء أوردها رحالة سابقون امثال ويمان بيري وبيرتون وفون ريد وغيرهم. ويمكن وصف اسلوب توماس في تسجيله لمشاهداته بأنه اسلوب علمي ووصف ايضا من قبل روبن بيدول بأنه “اسلوب متكلف”، ويفتقر الى اللمسات الفنية والادبية التي تذكر برومانسية وشاعرية الصحراء لكنه يبقى اسلوبا عن منطقة الربع الخالي وقبائله وعادات وتقاليد ومعتقدات تلك القبائل وجغرافية المنطقة وآثارها. وبعدما يتحدث المؤلف عن فصل الغوص في البحر بحثا عن اللؤلؤ، يكمل القول وبتلك النبرة نفسها بنبرة المسؤول السياسي المرافق لموكب السلطان وكأحد افراد الحاشية:

“وجلس جلالة السلطان ورفاقه معي على الشاطئ. وقضيت ساعة في قراءة كتاب لرحالة اسمه “بلجريف” وهو انجليزي، من اصل يهودي، ثم حل الظلام، فتوقفت عن القراءة، وأنا اشعر ان بلجريف هذا هو من احسن رحالة ظهر في الجزيرة العربية، وهو أروع من كتب في أدب الرحلات عنها. وأمضينا تلك الليلة في استرخاء تام على الشاطئ، نستمع الى بعض الغناء، ونشاهد الرقصات التي كان بعض العبيد والبدو يؤدونها، كما تبادلت مع جلالة السلطان بعض الفكاهات، وسمعنا اصوات الجياد تملأ الهواء، وطلقات المدافع من فوق الحصن تبعث بتحياتها الينا”.

ومعظم صفحات الكتاب تصف تلك العلاقة الوطيدة والشخصية بين المؤلف وسلطان البلاد، وتدوين ليوميات الرحلة، ووصف للمناظر الطبيعية التي يمر بها الموكب، ومظاهر الاحتفالات والولاء التي يبديها البدو من خلال الزغاريد التي تأتي مع موكب للجمال جاء للتحية، وبعد صلاة العشاء “الجلوس للاستماع الى الشعراء الذين كانوا يلقون القصائد” وعادة ما كانت “المدافع تطلق تحياتها” عند اقتراب الموكب من الحصون والقلاع، ومنظر “اصطفاف مجموعات من الشيوخ والشخصيات البارزة للتحية” يتكرر بين فقرة وأخرى.

وربما المخاطر التي عناها المؤلف يمكن ان نستخلصها من هذه الحداثة التي حدثت له عندما خطط للقيام برحلة بالجمال عبر شبه الجزيرة، وربما كانت تلك التحركات مجرد “تمرينات” لرحلته التي اجتاز فيها رمال الربع الخالي بمساعدة بدو المنطقة في ما بعد:

“قادتني مطيتي الى ما وراء عمان، حيث هذا المنظر البهيج الذي نراه، كما قادتني الى قوافل اصدقائي القدامى، رجال بني كعب والمقابيل، الذين يتركون الشاطئ الآن متجهين الى حدائق النخيل في صحار. وصحبني قائد السفينة ه.م.س. لويان من مسقط الى حيث تمنى لي حظا سعيدا، ثم ودعني قبل ان ينطلق الى البحر. وفي الطريق امامنا رأينا آثار برسي كوكس، وصمويل زويمر، مما يشهد على ان الرجل الابيض قد قام برحلات الى هنا من قبل”.

وجاءني شيخ عجوز يحمل رسالة، وامسكني من ذراعي ثم قال لي: “اقرأ هذه” وتقول الرسالة: “بعد السلام ورحمة الله وبركاته، لقد عاد اخي لتوه وأبلغني بالمعاملة الحسنة التي لقيها عندكم، وانني آمل انكم لن تضروا المسلمين، وانما ستعملون ما يرضي الله ويرضيهم، ومن المحتمل ان يأتيكم بعض النصارى يطلبون ان تقوموا لهم ببعض الأعمال التي قد يكون لها عواقب وخيمة عليكم وعلينا. ولا بد من رفض أي عميل، حفاظا على كرامة العرب، وآمل ألا يخدعنكم متاع الدنيا لأنها فانية. وهناك قول عربي مأثور هو: النار ولا العار”.

ويبدو ان هذه الرسالة التحذيرية هي التي أثارت مخاوفه هو شخصيا، وأحس بأنه ومهما كان موقعه ومركزه السياسي فهو يبقى شخصا غير مرغوب فيه، لذلك نراه يعلق على ما قرأه بالقول:

“لقد قرأت الرسالة، ثم اعدتها الى الشيخ، وقد ادخلت الرسالة الحزن الى قلبي، حيث اني كنت اعتقد ان الطريق الى الداخل سيكون مفروشا بالزهور، فالكرم العربي يضرب به المثل في الحقيقة، ولكن ليس في هذه المنطقة النائية من شبه الجزيرة العربية”. أي انه عد انسان هذه المناطق متوحشا، لا يرحب بالغريب، وبعيد عن المدينة والتحضر. ويعزو سبب ذلك الى ان:

“فالانسان يخاف هنا، وهو يرتعب ويشعر بالخطر كذلك، والبدوي الذي يفاجأ بوصول الاجنبي الغريب يعتبر ذلك بشرى غير سعيدة”، ولم يذكر بالطبع بأن هذا البدوي البسيط لا يثق به ولا بأمثاله، لأنه لا يتوقع منه الخير أو على الأقل لا يتوقع منه ان ينظر اليه نظرة منصفة نوعا ما أو يفيده بشيء لذلك يطلق تحذيره الواضح لكل من يفكر في الغرب من الوصول الى هذه المناطق: “على المسافر هنا ان يكون مستعدا لكل طارئ”.

اننا نشم هنا من أسلوب توماس، وبعده ثيسجر، رائحة منبعثة من “عرقية اوروبية كاثوليكية Europeocentrisme” طالما ميزت كتابات الاكثرية الساحقة من الرحالة الغربيين الأوائل، رحالة القرن السادس عشر، الذين يمكن وصفهم بنوع من الصليبيين المتأخرين، الذين كانوا يسافرون ضمن “عالم مغلق” في زمن كانت فيه الامبراطورية العثمانية تدق ابواب اوروبا الكاثوليكية.

“.. ويعتبر الجبل واحدا من تلك القرى التي قد ادهشتها مجيئنا، وطالب شيوخها بمقابلة معنا في الحال، ولكن الوقت كان متأخرا، وكنت متعبا للغاية، وكان لي معهم حديث في الصباح، حيث وصلت تعليمات للجبل من شيخ النعيم في البريمي لمنعي، وكان القرويون طيبين معي، ولم اكن انوي البقاء هنا، فعند طلوع الفجر خرجت الى الوادي الرئيسي، الى وادي عبيلة، حيث اضطررت الى اسابيع كاملة يقيم على ابواب عمان قبل ان يدخلها”. ثم يعود الى مقارنة صفات “الفرد الاوروبي” بهؤلاء القبليين المتوحشين الذين ينزل بينهم ضيفا على سلطان البلاد معززا مكرما، ومع ذلك نراه يتحدث عن فوضوية هذا البدوي المتوحش وعبادته لمظاهر القوة: “واذا كان الفرد الاوروبي يعتقد ان الحكومة امر لا بد منه، فإن ذلك يبرر الى حد ما لرجل القبيلة ان ينتفض على السلطة، فالقبلي لا يكن احتراما فطريا للنظام والقانون وانما العكس هو الصحيح، كما ان العدالة والمساواة بوصفهما اعتبارات مجردة لا تتأثر باهتمامه، فضلا عن ان مظاهر الحياة المدنية وأجهزتها مثار احتقار وسخطه. ومن ثم فإن الرجال المسؤولين عن ادارة شؤونه لا بد وان يقدروا فيه تلك الصفات يقصد غير المتحضرة وان يدركوا ايض ان القبلي يعبد القوة دون سواها، وانه في المدى البعيد لا بد وان يتلاءم بشكل أو بآخر مع اشكال الاقتناع بالوضع، أي بالتهويد بالقوة، واذا تعذر ذلك فبالحقائق، واذا ما تجردت انت من مظهر القوة فإنه قد يسلبك أموالك أو حياتك ان استطاع”. ثم يواصل نبرة التحامل هذه، ليصل الى ما يريد ان يفصح عنه بصراحة الرحالة الصليبيين المتأخرين: “فرجل القبيلة البدائي، يقسم البشر الى قسمين: المسلمين والمشركين. وأما نظرية التسامح تجاه المسيحيين، أو اليهود باعتبارهما من أهل الكتب السماوية، فإنها تقتصر على رجال الدين، أما البدوي فلم يعرفها قط..”.

على ان هذا الجفاء وعدم الرغبة في التعاون معه لم يقتصر على البدو ابناء القبائل في صحراء الربع الخالي فقط، بل حتى ابناء المدن كانوا يشاركونهم عدم الارتياح هذا، لذلك فهو يصف اهالي مدينة صور حين مر بها: “من الصعب ان تجد أحدا يتعاون معك، وكانت هناك دائما معارضة من ساكنيها
نواصل لاحقا معا برترام توماس
دمتم جميعا بالف عافيه

مطنوخ
24 - 1 - 2010, 09:04 PM
نواصل
بيرترام توماس


مع أن برترام تومـاس (http://en.wikipedia.org/wiki/Bertram_Thomas) لم يكن يهتم كثيرا بالدعاية لنفسه وبالترويج لكتاباته إلا انه يعتبر بحق من بين أهم الرحالة الأجانب الذين طافوا في أرجاء الجزيرة العربية. فلم يكن قد كتب شيئا عن حياته قبل أن تطأ قدماه ارض جزيرة العرب لأول مرة في أواخر العشرينات من القرن الماضي
في كتابه جزيرة العرب السعيدة (http://www.amazon.com/exec/obidos/tg/detail/-/B000868LD4/qid=1120732923/sr=1-1/ref=sr_1_1/002-9600144-3836854?v=glance&s=books) يروي بيـرترام تومـاس كيف أن سلطان مسقط وعمان عرض عليه أن يعمل مستشارا ماليا لديه، ثم يسهب في شرح الصعوبات التي لاقاها أثناء أدائه تلك المهمة. ثم ينتقل للحديث عن حرارة الطقس البالغة الشدة في مسقط التي نادرا ما تنخفض في الليل عن مستواها أثناء ساعات النهار، أما معدلات الرطوبة فترتفع إلى أن تصل إلى أقصاها، سيّان إن كان الوقت نهارا أو ليلا
وفي بداية ساعات الليل اعتاد توماس على التجوال في شوارع المدينة النائمة، وفي إحدى الليالي قام بتسلّق أسوار المدينة المبنية من اللبن والتي يعود تاريخها إلى القرون الوسطى. ومن هناك، من فوق الأسوار، أخذ يرنو بناظريه نحو الأفق البعيد باتجاه الشمال حيث الجبال الممتدة خلف الساحل. وكان يعرف أن القمر الذي ينير ليل مسقط هو نفس القمر الذي يرسل حزمة من ضوئه الحالم على ذلك البحر الخضمّ من الرمال الهائلة المتوارية وراء الأفق. وكان هذا هو السبب الخفي الذي دفعه للمجيء إلى هنا
كانت تراود توماس رغبة عارمة في أن يكون أول مواطن غربي يعبر تلك الصحراء الممتدة، هذا مع انه يتذكر قول فيلبي من قبل أن لا أحد قادر على إنجاز مهمة كتلك إلا على متن طائرة
وفي إحدى ليالي أكتوبر من عام 1930 م ودون علم صديقه السلطان، انسل توماس في قلب الظلام إلى خارج مسقط وحرص على أن يختفي عن الأنظار بسرعة وقبل بزوغ الشمس، متوقعا أن تنتشر أخبار اختفائه في الصباح وتروج الشائعات والقصص التي يغذيها خيال شرقي خصب
واستقل ناقلة نفط عابرة باتجاه مدينة صلالة الجنوبية وهناك وجد دليلا وأعدّ العدة لبدء رحلته الاستكشافية
يذكر توماس في كتابه أن رجال القبائل الذين يقطنون الجبال يتحدثون لغة غريبة غير العربية ويعتبرون أنفسهم منحدرين من سلالة قوم عاد الأسطورية. ويسرد في الكتاب مشاهد تقديم الضحايا والنذور وطقوس طرد الأرواح التي تمارسها تلك القبائل وتقام وسط سحب البخور المحترق والنيران المتأججة
وخلف الجبال يقع سهل قاحل ومهجور إلا من بعض أسراب الظباء العربية التي يمكن مشاهدتها على البعد وهي تعدو مسرعة من حين لآخر. ومشى توماس ودليله على مدى بضعة أيام إلى أن بلغوا بئر شيزر وهو اسم لحصن تاريخي بدا مهجورا ومهملا
يتحدث توماس في الكتاب عن "ظاهرة الرمال التي تغني" والتي ُشغل العلماء بدراستها وكشف غموضها منذ وقت طويل، ويصف كيف انه ورفاقه كانوا يمشون في عمق الصحراء الشاسعة وبين تلال الكثبان الرملية العملاقة عندما كسر الصمت فجأة أزيز نغمات موسيقية صاخبة. ويشير أحد رفاقه "المـرّي" إلى إحدى التلال العالية مؤكدا أنها مصدر تلك الأصوات الغريبة. لكن العرب – يقول توماس – يعزون تلك الأصوات إلى الأرواح المدفونة تحت كثبان الرمال. ويضيف: كانت الأحوال مواتية لدراسة ظاهرة موسيقى الرمال، وكانت الحركة الأولى من ذلك الكونشيرتو الغريب طويلة بما فيه الكفاية. لقد كان الأمر أشبه ما يكون بقرع الطبول وأحيانا يخيل إليك انك تصغي إلى هدير محرك طائرة. أما مرافقيّ فقد كانوا منشغلين بتأدية بعض الحركات الطقوسية التي كانت فيما يبدو موجهة نحو الجن الذين ُيفترض انهم مسئولون عما حدث ..
نكمل تتابع بعد قليل

مطنوخ
24 - 1 - 2010, 09:09 PM
نواصل النقل مع شي من التنسيق
برترام توماس
يقول توماس: "بدأ الصباح بداية بطيئة وكنا نشعر بالإنهاك والضعف بسبب الجوع والبرد القارس عندما لمحنا فجأة جماعة من العرب الذين اخذوا يلوحون لنا بأيديهم وعندما اقتربنا منهم بدءوا يشيرون إلى الناحية الأخرى من الطريق صائحين: انظر يا صاحب! تلك هي الطريق إلى عبــر
"عبـر؟! تساءلتُ مندهشا. إذن فهذه هي المدينة العظيمة التي كان آباؤنا يحدثوننا عنها دائما. إنها اتلانتيس الرمال! مدينة موغلة في القدم وغنية بالكنوز وبحدائق النخيل وبحصنها الأسطوري ذي اللون الفضي المائل للحمرة! وهي الآن مدفونة تحت الرمال. وكان الكثير من العرب قد حدثوني عن عبـر، ولكن لا أحد منهم كان يعرف موقعها على وجه اليقين
يتحدث القرآن الكريم وليالي ألف ليلة وليلة والكثير من القصص الشعبية عن مدينة تشبه الأسطورة وكثيرا ما يشار إليها باعتبارها أهم الكنوز المفقودة في الجزيرة العربية. وتروي كتب التاريخ والأساطير حكايات كثيرة عن تلك المدينة الرائعة الجمال والتي كانت مليئة بالكنوز والخيرات العظيمة إلى أن ُدمّرت فجأة، كما حدث لسدوم وعمورية، بعد أن حلّ عليها غضب الرب وُدفنت تحت الرمال
يقول المستعرب الشهير فيلبي: كان ملك هذه المدينة قد تمادى في فسقه وفجوره وكان يعيش في ما يشبه الفردوس الأرضي مع خيوله وعبيده المخصيين وخليلاته الكثيرات إلى أن انتقم الله منه وأرسل عليه الريح الغربية العاصفة التي أحالت مدينته فجأة إلى ارض يباب واستحال كل شئ في لمح البصر إلى كومة من رماد
كان بيـرترام توماس قد عقد العزم على مواصلة رحلته وبلوغ عبـر، لكن نفاد الماء جعله يغير رأيه في المضي قدما باتجاه المدينة الغامضة وُاجهض حلمه في الوصول إلى ابعد نقطة في الصحراء، فانحرفوا عن الطريق المفترض أن يأخذهم إلى عبـر وواصلوا سيرهم في الاتجاه الآخر. وبعد مرور خمسة وتسعين يوما على مغادرته صلالة والبحر العربي لمح توماس على البعد مدينة الدوحة ومياه الخليج العربي
فيما بعد كتب لورنس العرب يقول: لقد تمكن بيرترام توماس أخيرا من عبور الربع الخالي الذي يعتبر الصحراء الوحيدة المجهولة في العالم، وما فعله يمثل نهاية لتاريخ الرحلات الاستكشافية
لكن بعض المؤرخين يؤكدون بأن توماس، وإن كان قد تمكن من عبور الربع الخالي، إلا انه في حقيقة الأمر لم يستكشفه، إذ انتهى به المطاف
على عتبات مدينة مفقودة ولم يتمكن من إنجاز ذلك التحدي على الوجه المطلوب
نكمل تتابع بعد قليل،،،،،،

مطنوخ
24 - 1 - 2010, 09:17 PM
نواصل مع برترام توماس الرحاله البريطاني
لقد قام ( بيرترام توماس ) بتأليف كتاب اسمه ( أرابيا فيليكس )


وكان ذلك عام 1932 م

هو الاسم الروماني للجزء الجنوبي من شبه الجزيرة العربية و التي تضم اليمن والجزء الأكبر من عمان. أطلق اليونان على تلك المنطقة اسم "العرب السعيد"

و رغم أنه اكتشف آثاراً لمدينة قديمة أسستها واحدة من تلك القبائل و كانت تلك المدينة هي التي يطلق عليها البدو اسم "عُبار", وفى إحدى رحلاته إلى تلك المنطقة, أراه سكان المنطقة من البدو آثاراً شديدة القدم و قالوا إن تلك الآثار تؤدى إلى مدينة "عُبار" القديمة.
و لكن "توماس" الذي أبدى اهتماماً شديداً بالموضوع, توُفِى قبل أن يتمكن من إكمال بحثه.
::
يشير “جيرار لكليرك” في كتابه الانثروبولوجيا والاستعمار، الى ان الانثروبولوجي يزعم أحيانا بما له من علم ومعرفة، انه في الموقع المناسب الذي يتيح له فهم الشعوب الاصيلة، بل واتخاذ الموقف اللازم تجاهها، فالمواطن الذي يكتم مشاكله ولا يعرضها على الاداري (الغربي بالطبع)، وان كان هذا مهتما بالانثروبولوجيا، يعرضها بسهولة اكبر على شخص مستقل نسبيا عنه أو غريبا عن اهدافه المباشرة. وعلى الرغم من كل نواياه “الطيبة” لا يستطيع الاداري “الغربي، الكولونيالي” ان يفهم الشعوب الأصيلة فهما حقيقيا، ان نظرته لا تكون في احسن الحالات إلا جزئية ومشوهة.



صحيح ان بإمكان السياسي ان يكون انثروبولوجياً، يضيف لكليرك، فهذا ما حصل بالفعل أحيانا بخاصة مع الرحالة البريطاني “برترام توماس” ولكن بما ان الانثروبولوجيا قد حصلت على استقلاليتها، لذا كان على السياسي ومنهم توماس ترك وظائفه القديمة، ولذا ينزع الاداريون الانثروبولوجيون الى الاختفاء لحساب الانثروبولوجيين التطبيقيين.

لم يكن “توماس” اداريا بريطانيا، ورحالة فقط، كان له ريادة اجتياز صحراء الربع الخالي، فسجل هذا الانجاز باسمه في الغرب، بل كان انثروبولوجيا تخفى تحت رداء الاداري، لينقلب وهو يتجول في مناطق متفرقة من عمان، الى انثروبولوجي واثنولوجي وقبل هذا وذاك الى “كولونيالي عريق”، رغم انه بمجرد مروره بمناطق بعض القبائل “الجبلية بخاصة ومنهم القرا” فإنه بات خبيرا بعاداتهم وتقاليدهم وأصولهم ومعتقداتهم، الى الحد الذي جعله يصدر أحكاما حول ابناء هذه القبائل أقل ما يمكن ان نصفها بالتسرع، ان لم يكن بالتجني الكامل المملوء بالتحامل العرقي، المتأتي من النظرة الاستعلائية التي لا يمكن ان تخفى على القارئ الحصيف.

** اثناء فترة استعداداته لرحلته التي اجتاز خلالها صحراء الربع الخالي يذكر “توماس” انه اختار لمرافقته مجموعة من البدو من قبيلة الرواشد. هم سهيل وخويتم ومعيوف. وقد اختار “ثيسجر” بعده ايضا عددا من بدو الرواشد لمرافقته اشتهر منهم “بن كبينة” و”بن غبيشة”. ويصف توماس هذه القبيلة بأنها “أهم قبيلة في منطقة الرمال الجنوبية ولم اكن لأستطيع اجتياز الربع الخالي بنجاح من دون مساعدتها” وقد وجد “توماس” بالفعل الاستعداد لدى هذه القبيلة لمساعدته. فكرت في تجهيز فرقة تحملني الى بعض عيون الماء الواقعة على حافة الصحراء حيث يحتمل وجود ثلاث من هذه العيون، وان اعهد الى قبيلة الرواشد بانتظاري هناك لتأخذني الى وجهتي وقد بنيت هذا القرار على أساس العلاقة السابقة التي تربطني بهذه القبيلة وما لمسته من استعداد لديها لمساعدتي.

وحين التقى “خويتم” و”معيوف” كشف لهما عن خطته لاجتياز الرمال بمساعدة من قبيلتهم بعدما اخذ عليهم عهدا بعدم افشاء السر، ووعدهما بمكافأة سخية ان التزما بذلك. وبعد هذا الاتفاق “خرجا مودعين وكانت لهجتهما الى حد كبير تبين معدنهما الصلب وقوة ارادتهما” ثم تحركا في طريقهما الى منطقة الجبال حيث كان هناك احد زملائهما ويدعى “سالم طميطم”، وكان الغرض من التوجه اليه ان يزودهما بأفضل انواع الجمال ومن هناك يتسللان سرا الى الصحراء.

وقد علق “توماس” على عودتهما ببعض رجال القافلة التي سترافقه آمالا كبيرة وإلا سيكون الفشل من نصيبه، وبقي ينتظرهما في ظفار “يحدوني أمل ضعيف في نجاح المهمة التي جئت من اجلها”. وعند اقامته في ظفار يصف المنطقة بأنها تعد من المناطق المحظوظة “فهي تتميز بمناخ فريد، اذ تهب عليها الرياح الموسمية القادمة من الهند خلال شهور الصيف، فتسبب هطول امطار غزيرة عليها وتحيلها الى فردوس مقيم، وعلى هضاب هذه المنطقة تتكاثر اشجار اللبان التي يرجع لها الفضل في شهرة هذه المنطقة. فهذا المحصول القيم مصدر رخاء منطقة ظفار على مر العصور، وظفار تلك التي نعنيها هي غير ظفار الريان التي تقع في اليمن” ويتحدث عن القبائل التي تستوطن المنطقة فيذكر بأنهما “قبيلة القرا التي تقيم في منطقة الجبال، وتعتمد في حياتها على الرعي وزراعة اللبان، وقبيلة آل كثير التي تعيش على الصيد والزراعة في القرى الواقعة على السهل، وعندما يضطرب البحر في شهور الصيف الممطرة وتهب العواصف ويتعذر الصيد تهاجر هذه القبائل من السهل الى المرتفعات حيث تتوافر المراعي ويحل موسم حصاد اللبان”.

مدينة صلالة

وفي مدينة صلالة التي وصلها لمقابلة احد “أغنى تجار المنطقة” حل ضيفا عليه ونزل في قصره، ويصف مباني المدينة العالية المتعددة الطوابق والمبنية من الاحجار المنحوتة من تربة السهل بأنها تشكل منظرا ساحرا فضلا عن الزخرفة والتشكيلات المتنوعة والتي كانت في مجموعها رمزا لعصر من العصور، حيث تعتبر زخرفة السقوف التي تسمى بلهجة اهل المنطقة ب “التباشير” السمة المميزة للبيوت الكبيرة وتتم هذه الزخرفة في زوايا السقوف وفي الاطراف وهي تشبه الزخرفة التي كانت سائدة في بترا ومعان في عهد النبطيين. وقد علمت بأن هذا النوع من الزخارف منتشر في منطقتي الشحر والمكلا وغيرهما من مناطق حضرموت ولم ير ما يشابه هذه النقوش والزخارف في عمان.

ومن الاسئلة المتوقعة التي يمكن ان يوجهها بدو المنطقة لرجل اجنبي يختلف عنهم في الشكل والحجم واللون واللغة، حيث يذكر توماس ان احد شيوخ القبائل سأله يوما: لماذا أنتم ايها الاوروبيون كبار الحجم بينما نحن لسنا كذلك؟

يقول: فأجيت، لعل السبب في ذلك هو المناخ والتربة. فرد عليه الرجل البدوي: ان العالم هو الله. اننا اصغر قامة من اجدادنا، انظر الى القبور في منطقة خور روري تجد ان طول الواحد منها عشرين قدما، لقد كانت اجسام اجدادنا بهذا الحجم وتلك القامات، يقول توماس: فأومأت اليه بالايجاب مؤكدا على قوله، الله العالم فعلا. حتى لا امس شعوره الديني.

ليعود ويتحدث مجددا عن السمات العرقية والسلالات، ويورد معلومات في هذا الصدد كتبها الجنرال ميتلاند، المقيم السياسي البريطاني في عدن في ذلك الوقت “يذكر توماس ان معرفته بالمنطقة بدأت من عام 1915 الى ان قام برحلته الاولى عام 1927”.

ويذكر د. جواد علي في مؤلفه “المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام: “ان عرب شبه الجزيرة العربية ينحدرون على ما يبدو من اصلين مختلفين ومتميزين. فالنظرية السائدة عن قسمات العربي، هي انه الرجل الطويل اللحية الأملس الوجه كالصقر، غير ان عرب جنوب شبه الجزيرة اصغر قامة وأخشن تقاطيع وأكثر سمرة وغير ملتحين تقريبا، وتجمع كافة المصادر على ان عرب الجنوب ينحدرون من أصل حبشي. ومع ذلك فيبدو من الغرابة بمكان ان نقرر ان المصريين وعرب القارة الافريقية هم العرب الاقحاح بين العرب الساميين، اما عرب الشمال فهم عرب مستعربة أي انهم عرب بالتجنس والاستيطان اكثر كونهم عربا بالسلالة.

بل ان علماء التاريخ العرب والحديث انفسهم يذهبون الى ان العرب ينحدورن من أصلين: قحطان وعدنان ومع ذلك فإن العرب الذين يقطنون الآن مناطق من شبه الجزيرة العربية من احد هذين الأصلين ينتمون في الواقع الى سلالات متباينة”.

وكما نرى هنا فإن “توماس” كرحالة اهتم بعلم الانساب والسلالات وقبله كثير من الرحالة والعلماء الاوروبيين امثال جليسر وبيرتون وراتنجز وبعده ايضا من الباحثين المهتمين بعلم السلالات من السوسيولوجيين والانتروبولوجيين والاتنوغرافيين والآثاريين، فقد اهتم الغرب بهذا العلم لأهميته في رسم تصورات متكاملة عن شعب معين أو أمة معينة عاشت أو ورد ذكرها في كتب التاريخ، أو تحديد صورة مجتمع من المجتمعات البدائية منها أو الحديثة وعلاقة ذلك بحدث معين من احداث التاريخ، هنا تنتفي التهمة الموجهة للعرب بأنهم أمة عصبية أي متعصبة لعرقها، أو هي أمة تعلي من شأن القبيلة أو ما الى ذلك من التهم، والحقيقة ان البحث في اسباب عناية العرب بأنسابهم موضوع يطول الحديث فيه، ولكن ما يهمنا هنا ان الدين شذّب عصبية العربي وان كانت عصبيته لا تعبر تعبيرا سلبيا عن “تفوق عرقي” بقدر ما كانت تعبر عن هوية وانتماء لقبيلة كانت تمثل للبدوي في صحراء مترامية الاطراف سلطة وحيدة يمكن ان تحميه وتحمي حقوقه ودمه قبل نشوء الدول يمكن ان يلجأ اليها طلبا للحماية. اننا نجد ان كثيرا من الأمم الشعوب الاخرى تنتمي الى آباء واجداد، وليس العرب وحدهم، فهيلين، هوجو دورس، ومنه اخذ الهيليون اسمهم هذا. وكان للرومان فالفرس وللهنود وللاوروبيين أجداد انتموا اليهم واحتموا بهم وتعصبوا اليهم على نحو ما نجده عند العرب و”الاسرائيليين” وبقية الساميين. وكما اهتم توماس بعلم السلالات، اهتم ايضا بتاريخ الحضارات التي كانت سائدة في منطقة شبه الجزيرة العربية، فيذكر ان الكتب والآثار المتخلفة في المناطق الجنوبية الغربية من الجزيرة تدل على وجود حضارات سبئية أو معينية قديمة قد اندثرت قبل ظهور الاسلام في القرن السادس بعد الميلاد. كما ان هناك آثاراً لمستعمرات اغريقية وآرامية، كذلك فقد تعرضت هذه المنطقة للغزو الحبشي والروماني خلال تاريخها. ثم يتساءل: من يكون هؤلاء العرب يا ترى؟ ويكمل بالقول: “لو افترضنا ان الاجابة عن هذا السؤال من اختصاص علماء الاجناس، كما هو الأمر فعلا، فإن جمع الأدلة والمعلومات عن عرب الجزيرة العربية يعتبر أمر مهما وعلى الاخص خلال هذه الرحلة التي اقوم بها”.

وقد جمع بالفعل مجموعة من الجماجم البشرية القديمة وأرسلها الى انجلترا لدراستها. ويروي كيف استطاع ان يحصل على جمجمة انسان في غفلة من مرافقيه وجدها بالصدفة في كهف مهجور: “اثناء رحلتي خلال عامي 1929 1930 كنت في منطقة حاسك، مررت بالصدفة بأحد الكهوف ويبدو ان بعض الحيوانات المتوحشة قد هاجمت ذلك الكهف في وقت من الاوقات وكان الوقت نهارا، ففكرت في التوقف في هذا المكان واخترت منطقة قريبة من الكهف ولم يعرف أي انسان بأن الجمجمة التي كانت في ذلك الكهف قد انتقلت الى خيمتي، ولكن عظمة الفك لم تكن في الجمجمة كما ان القسم الاكبر من الهيكل لم يكن موجودا. وقد أخذت هذه الجمجمة معي الى مسقط، ومنها الى كلية الجراحين الملكية في لندن”.

دراسة لهجات القبائل

كما اهتم “توماس” بموضوع لهجات القبائل من الناحية اللغوية Phelology حيث درس لهجات قبائل الشحرة والمهرة والبطاحرة والحراسيس، بل وأعد جدولا خاصا بهذه اللهجات يتألف من 500 كلمة لكل منها. كما استخلص بضعة قواعد لغوية بسيطة، وأرجع اصول هذه اللهجات الى المجموعة السامية. ويذكر ان هذه اللهجات لها جذور اساسية في اللغة الحبشية اكثر مما في اللغة العربية على حد قوله. وهنا ايضا يستشهد بآراء للغويين متخصصين حيث يفصل الأمر بالقول في هذا المجال “فالفصائل القبيلة التي تتكلم لغة الشحرة هي قبائل القرا والشحرة وبورحمة وبيت الشيخ، واللهجة المهرية تتكلمها قبائل المهرة، ولهجة البطاحرة تتكلمها قبائل البطاحرة، ولهجة الحراسيس تتكلمها قبائل الحراسيس وعفار.. وبالنسبة للهجة الشحرية فلا يفهمها الذين يتكلمون اللهجات الاخرى ويصعب التفاهم بينهم، ولم اكن اعرف من قبل بأن الدكتور ماكسمليان بتنر عالم اللغات الألماني قد تعرض الى موضوع اللهجتين الشحرية والمهرية وذلك في سياق تعليقه على المعلومات التي سبق ان جمعها الدكتور موللر في كل من حضرموت وسومطرة خلال رحلته الى شبه الجزيرة العربية سنة 1902 ثم حول ما جمعه الكونت لاندبرج.. عن رحلته الى المنطقة خلال 1899 1989 ويبدو ان لهجة الحراسيس والبطاحرة تختلف عن لهجة المهرة ولكن لم يقم احد بالبحث في هذا الموضوع”.

وتحدث عن “الختان” كعادة من العادات ذات الأهمية البالغة عند قبائل المنطقة حين سأله بدويان: هل تمارسون يقصدان الانجليز الختان؟ يقول فرددت عليهما بالايجاب ولكني قلت ان الختان ليس اجباريا عندنا. فقالا: معنى هذا ان هناك بعض الاشخاص لم تجر لهم عملية الختان؟ فرددت عليهما بالايجاب.. وهنا قال محدثاي “غفر الله لكم” ثم يضيف توماس معقبا على كلام سائليه، يعتبر الختان من العادات ذات الأهمية البالغة بين هذه القبائل ويختلف عنه في انحاء شبه الجزيرة العربية الأمر الذي يوحي بأن للختان جذوراً تكاد تكون مستقلة”. ثم يورد وصفا لطقوس عملية الختان، وكيف و”اين تجرى، والغريب أنه يقارن بينه “كعادة” وما كان متبعا في مصر في العصور القديمة، ثم يصف الاحتفالات المصاحبة لهذه المناسبة ولكنه لا يأتي أبدا على المسألة ربط عملية الختان بالدين الاسلامي ولا يتطرق اليها ولو تلميحا.

كما ذكر بعض معتقدات القبائل حول السحر ورد العين الشريرة وطرق عدم الاصابة بها، فيذكر بأن “هناك اعتقاداً بين سكان القرى الساحلية بأنه عندما يبني احدهم بيتا فإن أول شيء يفعله عند بناء البيت هو دق مسامير طويلة في الاركان الاربعة منه بقصد رد العين. وعندما يتم بناء البيت يقوم صاحبه بذبح خروف على عتبته كقربان يحفظ البيت من الشر ويديم لأهله الخير، وذلك على غرار ما نفعله نحن في الغرب عندما تسكب زجاجة من النبيذ عند تدشين البواخر. وفي بعض مناطق عمان يقوم صاحب البيت بعد الانتهاء من بنائه بذبح ماعز ورش شيء من دمها عند عتبة البيت. وهذا التقليد معمول به في ظفار ايضا وان كان يختلف في تلك المنطقة بعض الشيء حيث تجرى العملية في اثناء بناء المنزل، وليس عند الانتهاء منه، ويوزع لحم تلك الماعز على عمال البناء، وأما الدم فيرش بطريقة عشوائية على جدران المنزل”. “كما تكسر بيضتان عند عتبة البيت وبيضتان اخريان على السلم ومثلهما على السطح” وما زالت الى اليوم الدراسات والبحوث حول هذه المواضيع المرتبطة بمعتقدات وعادات الشعوب من قبل الانثروبولوجيين والفلكلوريين، ويمكن ان نذكر هنا أهم المواضيع التي تطرق اليها توماس ودونها في كتابه “العربية السعيدة” والذي يعد سفرا يكاد يكون شاملا حيث لم يحوِ فقط ما يمكن ان نطلق عليه وصف خط سير الرحلة، بل هو مجموعة من البحوث والاستقصاءات والاستطرادات تدخل في صلب تاريخ منطقة جنوب شبه الجزيرة العربية، ومن أهم تلك المواضيع يمكن ان نجد اضافة لبعض العادات والمعتقدات المرتبطة بالسحر والزواج والختان فقد تطرق الى موضوع، الاضرحة ومواقعها، وأكثر القبائل خبرة بالطرق التي تؤدي الى الرمال، وعنايته ببعض النقوش والخطوط على بعض الصخور التي صادفها، خيمة الرحالة وأجهزته، وحياة الجمل في الصحراء، وذكره لأهم الأودية ووصفها، كما تحدث عن البدوي ومقدرته على حل الغاز الصحراء، كما استعان كما ذكرنا بمعلومات أو بآراء أوردها رحالة سابقون امثال ويمان بيري وبيرتون وفون ريد وغيرهم. ويمكن وصف اسلوب توماس في تسجيله لمشاهداته بأنه اسلوب علمي ووصف ايضا من قبل روبن بيدول بأنه “اسلوب متكلف”، ويفتقر الى اللمسات الفنية والادبية التي تذكر برومانسية وشاعرية الصحراء لكنه يبقى اسلوبا عن منطقة الربع الخالي وقبائله وعادات وتقاليد ومعتقدات تلك القبائل وجغرافية المنطقة وآثارها. وبعدما يتحدث المؤلف عن فصل الغوص في البحر بحثا عن اللؤلؤ، يكمل القول وبتلك النبرة نفسها بنبرة المسؤول السياسي المرافق لموكب السلطان وكأحد افراد الحاشية:

“وجلس جلالة السلطان ورفاقه معي على الشاطئ. وقضيت ساعة في قراءة كتاب لرحالة اسمه “بلجريف” وهو انجليزي، من اصل يهودي، ثم حل الظلام، فتوقفت عن القراءة، وأنا اشعر ان بلجريف هذا هو من احسن رحالة ظهر في الجزيرة العربية، وهو أروع من كتب في أدب الرحلات عنها. وأمضينا تلك الليلة في استرخاء تام على الشاطئ، نستمع الى بعض الغناء، ونشاهد الرقصات التي كان بعض العبيد والبدو يؤدونها، كما تبادلت مع جلالة السلطان بعض الفكاهات، وسمعنا اصوات الجياد تملأ الهواء، وطلقات المدافع من فوق الحصن تبعث بتحياتها الينا”.

ومعظم صفحات الكتاب تصف تلك العلاقة الوطيدة والشخصية بين المؤلف وسلطان البلاد، وتدوين ليوميات الرحلة، ووصف للمناظر الطبيعية التي يمر بها الموكب، ومظاهر الاحتفالات والولاء التي يبديها البدو من خلال الزغاريد التي تأتي مع موكب للجمال جاء للتحية، وبعد صلاة العشاء “الجلوس للاستماع الى الشعراء الذين كانوا يلقون القصائد” وعادة ما كانت “المدافع تطلق تحياتها” عند اقتراب الموكب من الحصون والقلاع، ومنظر “اصطفاف مجموعات من الشيوخ والشخصيات البارزة للتحية” يتكرر بين فقرة وأخرى.

وربما المخاطر التي عناها المؤلف يمكن ان نستخلصها من هذه الحداثة التي حدثت له عندما خطط للقيام برحلة بالجمال عبر شبه الجزيرة، وربما كانت تلك التحركات مجرد “تمرينات” لرحلته التي اجتاز فيها رمال الربع الخالي بمساعدة بدو المنطقة في ما بعد:

“قادتني مطيتي الى ما وراء عمان، حيث هذا المنظر البهيج الذي نراه، كما قادتني الى قوافل اصدقائي القدامى، رجال بني كعب والمقابيل، الذين يتركون الشاطئ الآن متجهين الى حدائق النخيل في صحار. وصحبني قائد السفينة ه.م.س. لويان من مسقط الى حيث تمنى لي حظا سعيدا، ثم ودعني قبل ان ينطلق الى البحر. وفي الطريق امامنا رأينا آثار برسي كوكس، وصمويل زويمر، مما يشهد على ان الرجل الابيض قد قام برحلات الى هنا من قبل”.

وجاءني شيخ عجوز يحمل رسالة، وامسكني من ذراعي ثم قال لي: “اقرأ هذه” وتقول الرسالة: “بعد السلام ورحمة الله وبركاته، لقد عاد اخي لتوه وأبلغني بالمعاملة الحسنة التي لقيها عندكم، وانني آمل انكم لن تضروا المسلمين، وانما ستعملون ما يرضي الله ويرضيهم، ومن المحتمل ان يأتيكم بعض النصارى يطلبون ان تقوموا لهم ببعض الأعمال التي قد يكون لها عواقب وخيمة عليكم وعلينا. ولا بد من رفض أي عميل، حفاظا على كرامة العرب، وآمل ألا يخدعنكم متاع الدنيا لأنها فانية. وهناك قول عربي مأثور هو: النار ولا العار”.

ويبدو ان هذه الرسالة التحذيرية هي التي أثارت مخاوفه هو شخصيا، وأحس بأنه ومهما كان موقعه ومركزه السياسي فهو يبقى شخصا غير مرغوب فيه، لذلك نراه يعلق على ما قرأه بالقول:

“لقد قرأت الرسالة، ثم اعدتها الى الشيخ، وقد ادخلت الرسالة الحزن الى قلبي، حيث اني كنت اعتقد ان الطريق الى الداخل سيكون مفروشا بالزهور، فالكرم العربي يضرب به المثل في الحقيقة، ولكن ليس في هذه المنطقة النائية من شبه الجزيرة العربية”. أي انه عد انسان هذه المناطق متوحشا، لا يرحب بالغريب، وبعيد عن المدينة والتحضر. ويعزو سبب ذلك الى ان:

“فالانسان يخاف هنا، وهو يرتعب ويشعر بالخطر كذلك، والبدوي الذي يفاجأ بوصول الاجنبي الغريب يعتبر ذلك بشرى غير سعيدة”، ولم يذكر بالطبع بأن هذا البدوي البسيط لا يثق به ولا بأمثاله، لأنه لا يتوقع منه الخير أو على الأقل لا يتوقع منه ان ينظر اليه نظرة منصفة نوعا ما أو يفيده بشيء لذلك يطلق تحذيره الواضح لكل من يفكر في الغرب من الوصول الى هذه المناطق: “على المسافر هنا ان يكون مستعدا لكل طارئ”.

اننا نشم هنا من أسلوب توماس، وبعده ثيسجر، رائحة منبعثة من “عرقية اوروبية كاثوليكية Europeocentrisme” طالما ميزت كتابات الاكثرية الساحقة من الرحالة الغربيين الأوائل، رحالة القرن السادس عشر، الذين يمكن وصفهم بنوع من الصليبيين المتأخرين، الذين كانوا يسافرون ضمن “عالم مغلق” في زمن كانت فيه الامبراطورية العثمانية تدق ابواب اوروبا الكاثوليكية.

“.. ويعتبر الجبل واحدا من تلك القرى التي قد ادهشتها مجيئنا، وطالب شيوخها بمقابلة معنا في الحال، ولكن الوقت كان متأخرا، وكنت متعبا للغاية، وكان لي معهم حديث في الصباح، حيث وصلت تعليمات للجبل من شيخ النعيم في البريمي لمنعي، وكان القرويون طيبين معي، ولم اكن انوي البقاء هنا، فعند طلوع الفجر خرجت الى الوادي الرئيسي، الى وادي عبيلة، حيث اضطررت الى اسابيع كاملة يقيم على ابواب عمان قبل ان يدخلها”. ثم يعود الى مقارنة صفات “الفرد الاوروبي” بهؤلاء القبليين المتوحشين الذين ينزل بينهم ضيفا على سلطان البلاد معززا مكرما، ومع ذلك نراه يتحدث عن فوضوية هذا البدوي المتوحش وعبادته لمظاهر القوة: “واذا كان الفرد الاوروبي يعتقد ان الحكومة امر لا بد منه، فإن ذلك يبرر الى حد ما لرجل القبيلة ان ينتفض على السلطة، فالقبلي لا يكن احتراما فطريا للنظام والقانون وانما العكس هو الصحيح، كما ان العدالة والمساواة بوصفهما اعتبارات مجردة لا تتأثر باهتمامه، فضلا عن ان مظاهر الحياة المدنية وأجهزتها مثار احتقار وسخطه. ومن ثم فإن الرجال المسؤولين عن ادارة شؤونه لا بد وان يقدروا فيه تلك الصفات يقصد غير المتحضرة وان يدركوا ايض ان القبلي يعبد القوة دون سواها، وانه في المدى البعيد لا بد وان يتلاءم بشكل أو بآخر مع اشكال الاقتناع بالوضع، أي بالتهويد بالقوة، واذا تعذر ذلك فبالحقائق، واذا ما تجردت انت من مظهر القوة فإنه قد يسلبك أموالك أو حياتك ان استطاع”. ثم يواصل نبرة التحامل هذه، ليصل الى ما يريد ان يفصح عنه بصراحة الرحالة الصليبيين المتأخرين: “فرجل القبيلة البدائي، يقسم البشر الى قسمين: المسلمين والمشركين. وأما نظرية التسامح تجاه المسيحيين، أو اليهود باعتبارهما من أهل الكتب السماوية، فإنها تقتصر على رجال الدين، أما البدوي فلم يعرفها قط..”.

على ان هذا الجفاء وعدم الرغبة في التعاون معه لم يقتصر على البدو ابناء القبائل في صحراء الربع الخالي فقط، بل حتى ابناء المدن كانوا يشاركونهم عدم الارتياح هذا، لذلك فهو يصف اهالي مدينة صور حين مر بها: “من الصعب ان تجد أحدا يتعاون معك، وكانت هناك دائما معارضة من ساكنيها”.

مطنوخ
24 - 1 - 2010, 09:29 PM
نواصل معا برترام توماس

*"‬المستكشفون الأوربيون يستمتعون بالجزيرة العربية لأنهم يحبون العرب لا لعاطفتهم ولكنهم وجدوا أن فيهم الكثير مما يجذب،* ‬وأن العرب طوّروا فلسفة وطريقة حياة تتناغم هارمونيا مع بيئتهم،* ‬وجعلت من صحتهم الجسمانية والنفسية في اطمئنان دائم*".‬

مؤلف هذا الكتاب* - ‬الذي ينقصه الصور والخرائط* - ‬هو* "‬برترام توماس*" )‬1892*-‬1950* (‬أول رجل إنجليزي يشغل منصب رئيس الوزراء في حكومة عربية هي سلطنة عمان،* ‬واستغل وظيفته للقيام برحلات استكشافية في منطقة الجزيرة العربية،* ‬وأول أوربي يجتاز صحراء الربع الخالي راكبا خيله*. ‬

*"‬مخاطر ورحلات في الجزيرة العربية*" ‬كتاب مذكرات يحكي عن رؤية الرحالة البريطاني لطبيعة القبائل العربية،* ‬والمخاطر التي واجهته أثناء الحرب العالمية الأولي هناك في بلاد ما بين النهرين* "‬منطقة الأهوار*- ‬العراق*" ‬بداية عام* ‬1918،* ‬حيث طاف برترام توماس في رحلتين من ظفار إلي رمال الربع الخالي باتجاه الشمال،* ‬وفي عام* ‬1931* ‬غادر مسقط إلي لبنان ليصبح أول مدير لمدرسة عربية*.‬

يوضح في مذكراته التي ترجمها عبد الهادي الساعدي وصدرت عن مكتبة مصر كيف أن التسلح صفة دائمة للقبائل العربية،* ‬بسبب الشرف أو كما يقول المؤلف* "‬لكل قبيلة عدوها الوراثي*"‬،* ‬ويصفه بالتسلح الشاذ* ‬غير الاعتيادي،* ‬وأنه نابع من رخاء شاذ أيضا وغير اعتيادي،* ‬ثم يعرض لتلك النظرة التي يؤججها شيوخ تلك القبائل للمستشرقين باعتبارهم مخلوقات* ‬غامضة متطفلة*.

في الكتاب يدوّن المؤلف ملاحظاته ومشاهداته عن ملامح ونفسية القبائل العربية في العراق وشيوخها ورواة القصص العربي،* ‬وصانعي القهوة المميزين،* ‬ورعاة الغنم،* ‬وبدر الذي تزوج خمسة وستين امرأة بعدد سنين عمره،* ‬وزواج المتعة،* ‬كل تلك الحكايات يسردها توماس بصيغة الحوار،* ‬إلي جانب وصف دقيق للبيئة هناك،* ‬ورغم أن معظم إن لم يكن جميع ما ورد في هذا الكتاب نجهله ويعد* ‬غريبا علي القارئ المصري إلا أنه مرجع مهم وقراءته تحقق فائدة المتعة والتسلية،* ‬يقول المؤلف برترام توماس مثلا*: "‬إنه من الفظاظة في الشرق أن تدخل في موضوعك مباشرة،* ‬بينما أنا في داخلي أتحسر علي تبديد اللحظات الثمينة*". ‬فضلا عما يسرده من مفارقات اتخاذ كل قبيلة لقوانين وأنظمة خاصة بها* ‬غير مكتوبة ومتصلة بالتراث الشعبي السحيق،* ‬من ذلك ما قصه عن تبرئة شاب عمره* ‬17* ‬عاما من تهمة قتل أمه لحماية شرف القبيلة*.

‬ في جزء من الكتاب يتطرق المؤلف إلي بعض المواقع الأثرية لما يسمي* "‬مدن السلالات*" ‬ويقال إن لها علاقة ببابل،* ‬وحكايات طريفة أخري عن الجياد العربية الصغيرة* ‬غريبة المظهر التي تمشي ثلاثين ميلا دون أن تدير ظهرها*.‬

وأخيرا وهو المهم،* ‬ما سجله المؤلف عن سياسات الحرب العربية،* ‬التي أدخلته حسبما يقول في متاهات محيرة،* ‬ويؤكد أنه بفضل الروح الوطنية للثورة المصرية تشجع العراقيون علي الثورة ضد البريطانيين،* ‬ثم يتحدث عن أجواء معاهدة سايكس بيكو ووعد بلفور ورأيه فيهما،* ‬فيقول عن سايكس بيكو* ‬1916*: "‬لقد كانت نتائج هذه المعاهدة* ‬غير موفقة وغير محظوظة،* ‬وبدت بكل الديمقراطية والمثل العليا التي امتثلتها* ‬غير ذات جدوي وغير ذات فائدة لمجتمع قبلي*".‬

بنبرة استعلاء يتساءل برترام توماس*: ‬كيف تعطي الاستقلال الناجز والنهائي لشعب لا يعي معني السياسة-؟ فهو يري أن الشعوب العربية كانت تعيش حالة البدائية والبساطة،* ‬مجتمع قبلي لا يجد ذكرا لكلمة حكومة،* ‬ويتساءل كذلك*: "‬كيف تقيم حكومات وإدارات وطنية تقود العرب إلي التخلص من التخلف وغالبية رجالهم جهلاء؟*"‬،* ‬ورغم أنه كان يقصد بتلك الإحالات منطقة بعينها هي جنوب بغداد،* ‬بالتمثيل علي صراع قبائل وعشائر السنة والشيعة هناك،* ‬إلا أن التعميم كان السمة الغالبة علي أسلوب الكتاب*.‬
يكشف المؤلف عن استعانة البريطانيين بما يسمون* "‬الشبانة*" ‬وهم عسكريين محليين تطوعوا للخدمة في دوائر السلطات التركية للقيام بأعمال الحراسة والخدمة والتجسس،* ‬استعانت بهم بريطانيا لغرض ظاهر هو تطوير الرجل البدائي إلي رجل ميليشيا ثم مجند،* ‬وفي الحقيقة كانت بريطانيا تستخدمهم كحائط صد أو كبش فداء*.‬
دمتم جميعا بالف عافيه

مطنوخ
12 - 2 - 2010, 06:18 PM
الرحلة اليابانية إلى الجزيرة العربية

1939م

تأليف: ايجيرو ناكانوترجمة، تحقيق: سارة تاكاهاشي




السعودية بعيون يابانية.. أيام الملك عبد العزيز
وفد ياباني يعيش حكايات ألف ليلة وليلة في الرياض قبل سبعة عقود * باحث ياباني يرصد رحلة من خارج القارة الأوروبية إلى البلاد الناشئة * الغترة والمشلح يميزان اليابانيين عن الأوروبيين في السعودية
احدى السواني في حديقة قصر البديعةاحد اعضاء الوفد الياباني يحمل ضباً مجموعة من الحرس في قصر البديعةفي احدى الخيام المخصصة للوفد اطفال في الرياض خلال زيارة الوفد اليابانيسوق الرياض قبل 70 عاماً
الرياض: بدر الخريف
ظلت مؤلفات عدد من الرحالة من خارج القارة الأوروبية، الذين زاروا الجزيرة العربية في فترات متفاوتة وذات شأن في تاريخ المنطقة، بعيدة عن اهتمام معظم الدارسين والباحثين ممن تناولوا أدب الرحلات المتعلق بالجزيرة العربية.
ورغم أهمية هذه الرحلات مع قلتها مقارنة بالرحلات الأوروبية في رسم صورة عن المنطقة في تلك الفترة إلا أن بعضاً من الباحثين تمكن من رصد معلومات سجلها رحالة من خارج القارة الأوروبية وقدم فيها وجهة نظر عن المنطقة تختلف عن وجهات النظر السائدة خصوصا الأوروبية، ورسم فيها صورة جديدة لا تعتمد على نمط واحد من الرحلات.
وتعد الرحلة اليابانية إلى الجزيرة العربية، التي قام بها وفد ياباني إلى الرياض عام 1939، ذات أهمية تاريخية، وهو ما دفع دارة الملك عبد العزيز إلى طبع الترجمة العربية لهذه الرحلة في كتاب يعد وثيقة تاريخية مهمة، حيث سجل ايجيرو ناكانو أحد أعضاء البعثة اليابانية الرسمية خلال زيارته للرياض عام 1939 مقابلة أعضاء البعثة للملك عبد العزيز واطلاعه على وجهة النظر اليابانية بشأن العلاقات المشتركة السياسية والاقتصادية، وانطباعه عن هذه الرحلة، كما دون فيها يومياته بأسلوب أدبي رائع. وقد ترجمت الكتاب من اليابانية الى العربية سارة تاكاهاشي مستفيدة في ذلك من إقامتها في الرياض لمدة 9 سنوات.
ويقول المؤلف ايجيرو ناكانو الذي تخرج من جامعة اوساكا للغات الأجنبية (قسم اللغة الألمانية) والتحق في عام 1933 بوزارة الخارجية وأقام في القاهرة لمدة 7 سنوات، إن رحلته إلى الرياض جاءت بعد أن زار اليابان في مايو 1938 (السنة الثالثة عشرة من التقويم الياباني شوّا) الشيخ حافظ وهبة سفير المملكة العربية السعودية لدى بريطانيا، لحضور حفل افتتاح مسجد طوكيو الذي بني في منطقة يويوغي. وحث الشيخ حافظ وهبة وزارة الخارجية اليابانية على إرسال وفد ياباني إلى السعودية، لدعم الروابط بين البلدين. فلبت وزارة الخارجية اليابانية الدعوة. وأرسلت وفداً يتكون من ماسويوكي يوكوياما الوزير المفوض في سفارة اليابان في مصر. وتومويوشي ميتسوتشي، وكان مهندسا بوزارة شؤون الصناعة والتجارة الدولية، وكاتب هذه السطور ايجيرو ناكانو. وكان يعمل آنذاك في السفارة اليابانية في القاهرة.
وعن تفاصيل الرحلة يقول الكاتب: «وصلنا إلى مدينة جدة في 4 صفر 1358هـ (26 مارس/ آذار 1939) وفي 31 مارس بلغنا مدينة الرياض، حيث قطعنا الطريق وسط الجزيرة العربية بالسيارة. وبقينا في الرياض 10 أيام. ويتحدث هذا الكتاب عن مشاهداتنا في الأيام العشرة التي أمضيناها في الرياض، والأيام التي قضيناها في رحلتنا في قلب الجزيرة العربية. وصلنا نحن الأربعة، يوكوياما وميتسوتشي ومساعد يوكوياما، وكاتب هذه السطور (ناكانو)، إلى مدينة جدة صباح يوم 26 مارس 1939، كانت الحرارة 32.3 درجة مئوية. وعند نقطة تقع على بعد ميل من الشاطئ كان علينا أن ننتقل إلى يخت صغير تاركين السفينة التي أقلتنا إلى الميناء نظرا لوجود شعب مرجانية كثيرة تكونت في البحر الأحمر منذ القدم. وعدد السكان في جدة 25 ألف نسمة. بمن فيهم من أجانب، ويقال: إن عدد الأجانب فيها 60 أوروبيا وأميركيا، و5 أو 6 من النساء. بينما يكثر وجود الأجانب المسلمين من الشام وتركيا. وجدة هي المكان الوحيد في هذه المنطقة الذي يسمح فيه بوجود الأجانب.
نخيل في كل مكان
* انطلقنا متجهين إلى الرياض وبرعاية كريمة من جلالة الملك عبد العزيز آل سعود الذي وضع تحت تصرفنا سيارتين؛ سيارة لنا وأخرى للمرشد ورئيس الحرس. كما زودنا أيضا بسيارتين: سيارة نقل واحدة لحمل الخيام والطعام، وأخرى بها 30 من الرجال. وأهدانا الشيخ عبد الله السليمان وزير المالية بعض الملابس العربية: أعطانا غترة ومشلحا وعقالا. وقمنا بالتقاط صورة جماعية بعد أن ارتديناها. لقد اخبرنا بأن نرتدي هذه الملابس العربية، دون إبداء السبب، لكنني أعتقد أنهم لم يرغبوا في أن يشاهد الأهالي الملك يستقبل ضيوفا يرتدون ملابس على الطراز الغربي. غير أنني كنت في غاية السعادة وأنا ارتدي الغترة والمشلح والعقال. وأصبحنا نبدو اقرب للعرب منا إلى الأوروبيين. كانت أشجار النخيل تنتشر في كل مكان على جانب الطريق. لكننا لم نشاهد زهورا على الإطلاق.
وأسهب المؤلف في وصف رحلته من جدة إلى الرياض مرورا بمدن وقرى في الحجاز ونجد وصولا إلى الجبيلة قرب العاصمة. وأضاف: بدأنا نتحرك، وبعد قليل وصلنا خارج الجبيلة. كان الطريق سهلا منبسطا، وكانت هناك لوحات إرشادية بعد كل مسافة تشير إلى اسم المكان وانطلقت السيارة بسرعة 80 كيلومترا في الساعة، وشعرت أننا اقتربنا من الرياض، وقبل التاسعة وعلى بعد نحو 3 أميال شاهدنا واحة خضراء وصاح السائق: الرياض.. الرياض.
اتجهنا إلى الناحية الجنوبية الغربية، وصعدنا على مرتفع أمكننا ان نشاهد منه وادي حنيفة، لكننا لم نر فيه ماء على الإطلاق، وأمكننا أن نشاهد أيضا خياما مقامة للمعسكرات وليس للسكن. أوقفنا السيارة ونزلنا نشاهد تلك العلامة التي كتب عليها Art no43 st Heavy Dot Spudder مصنوعة في أميركا، هذا يعني ان شركة أميركية تعمل هنا.
كان سور القصر (القلعة) يغطي مساحة كبيرة ومحاطا بأشجار النخيل. حين كنت في القاهرة ذهبت مرة إلى مطار الماظة وفي الطريق شاهدت قصرا في الصحراء وتذكرت حكايات ألف ليلة وليلة، لكنني أشعر هنا فعلا كأنني أعيش في وسط تلك الحكايات، لأن الجو المحيط بي هنا والهدوء الشديد وقسوة الصحراء توحي بذلك تماما، بالإضافة إلى ملامح منطقة نجد الشهيرة في الأدب العربي، فهذا كله يختلف عن الجو العام في القاهرة، وهذا ما جعلني أشعر كأنني أعيش فعلا حكايات ألف ليلة وليلة.
خيم الصمت علينا جميعا، لم ينطق أحدنا بحرف، ثم سرنا بمحاذاة سور القصر فوجدنا بناء مشيدا من الطين، عرفنا فيما بعد انه مرآب سيارات وبعد ان سرنا مسافة عشرين مترا تقريبا أوقفنا السيارة أمام البوابة، هذا هو قصر البديعة، كان مصمما على الطريقة العربية، وسنبقى هنا عشرة أيام من الآن. قبل سنة، حضر إلى هذا القصر أحد لوردات الأسرة المالكة البريطانية مع زوحته ونزلا فيه!! يتكون المبنى من طابقين، وهو مشيد على طريقة المعمار العربي بشكل مربع مثل شكل الكعبة، وشكل جامعة الأزهر، وشكل قصر الحمراء في غرناطة في إسبانيا ـ لا يختلف عن تصميم الفن المعماري العربي الإسلامي والسلالم ضيقة تسمح لرجلين فقط بالصعود معا وهي مبنية بالطين، ويوجد ما يشبه السجادة على السلالم، يبدو أنها مصنوعة في اليابان وفي آخر السلالم وضعت سجادة يبدو أنها مصنوعة في مصر، وحتى لا تتسخ السجادة وضعوا حصيرة لمسح الأحذية.
في الطابق الثاني المشيد من الطين قادونا إلى غرفة الضيوف، وهي غرفة واسعة مساحتها نحو 30 تتامي (التتامي 90 في 180 سنتيمترا) شممنا رائحة الطين، وكان هذا أول ما شعرنا به.
وفي الغرفة توجد حصيرة وضعت فوقها سجادة، وكان السقف مطليا باللون الأبيض، كذلك كانت جدران الغرفة أيضا وعلى السقف نجوم وهلال وغيرها من الأشكال الهندسية.
وكانت عروق الخشب ظاهرة من السقف وكانت مطلية بخطوط حمراء وسوداء على شكل تموجات وعلى الحائط كانت هناك زخرفة على الطريقة العربية أشكال هندسية ومنمنمات.
كان للغرفة سبع أو ثماني نوافذ، حجم كل منها 60 في 20 سنتيمترا، وفي كل نافذة شيش من الخشب، لا يمكن فتحه مع قضبان حديدية وهناك مساحة في أعلى النافذة مغطاة بالزجاج، تسمح لضوء الشمس بالمرور إلى الغرفة، ومن خلال هذه النافذة تمكنا من معرفة سمك الجدار، كان ثلاثين سنتيمترا وهذا السمك كاف لمنع دخول الحرارة إلى الغرفة.
وكانت هناك ستائر بدا واضحا أنها مصنوعة في اليابان وشاهدنا خطا كهربائيا في السقف، لكن هناك مصباح كهرباء، ربما هناك خطأ ما، وبجوار الحائط وضعت أريكة وكرسي من الخيزران وبجوارهما منضدة.
وفي وسط الغرفة وضعت طاولة صغيرة، ورأينا فوقها محبرة وقلما وسكينا، وكتب على المحبرة «صنع في اليابان» وهي من نوع Pairolink، ظننا بدءا أنهم وضعوا أمامنا عمدا أشياء مكتوبا عليها «صنع في اليابان»، لكننا أدركنا بعد ذلك ان هذا لم يكن متعمدا.
كانت تفوح من الغرفة رائحة الطين وبها نافذتان مثلهما مثل نوافذ غرفة الضيافة، تطلعت من النافذة فشاهدت حديقة أشجار النخيل، ورأيت حيوانا ظننته أسدا، لكنني اكتشف بعد تدقيق أنه كلب.
كان سقف الغرفة مصنوعا من الطين، ويمكن من خلاله مشاهدة عروق سميكة من الخشب، وكانت الزخرفة والطلاء مثلهما مثل ما شاهدناهما في غرفة الضيافة.
وبجوار باب الغرفة منضدة وكرسي ومرآة على المنضدة لا تعكس جيدا ملامح من ينظر فيها، مما يدل على أنها غير مستوية وهناك خط كهربائي في السقف، لكنه لا يعمل وكانت غرفة المهندس شبيهة بغرفتنا.
مع مستشار الملك
* بعد الحمام شعرنا براحة كبيرة فداعبنا النوم، لكن يوسف ياسين ـ مستشار الملك السياسي ـ أتى ليرحب بنا نيابة عن الملك، كانت قامته أطول قليلا من 160 سنتيمترا، ويرتدي «مشلحا» خفيفا غامق اللون، وتحته جلباب أبيض، ويرتدي فوق رأسه غترة من الحرير وعقالا اسود، وجهه مدور إلى حد ما، عيناه شديدتا السواد، مفتوحتان على الدوام قل ان يطرف له رمش، فهو يفتح عينيه دائما، وأنفه معقوق.. ويبدو من مظهره أنه سوري، وليس من البادية العربية.
تبادلنا معه التحيات مدة عشرين دقيقة، ثم قال: لماذا لا نبدأ الليلة بترتيب برنامج الزيارة؟
كان يتكلم العربية بلهجة سورية، لكنه كان في الغالب يتكلم الفصحى ببطء، ولمسنا ان لديه خبرة طويلة في التعامل مع الضيوف، وفي مجال العلاقات العامة، وفي إجراء الحوار مع البريطانيين والعراقيين وبلدان الشرق الأوسط، وهو مكلف بترتيب أمور العلاقات الخارجية في ما يتعلق باليابان والمملكة.
غادرنا الغرفة، وتناولنا طعام العشاء بدون رمال أو غبار أو تراب هذه المرة. تكون العشاء من: حساء بالسمن ولحم الضأن والأرز وبعض الحلوى، وشعرنا بأن كل شيء منظم ومرتب ونظيف جدا، فالأطباق والأكواب تمتاز بالبساطة، إلا أنها كانت مختومة باسم الملك، بحروف ذهبية، ربما أرسلها إلى القاهرة أو إلى بيروت لكتابة هذه الحروف عليها.
اتصل بنا يوسف ياسين وقال لنا: الملك عبد العزيز سوف يقابلنا عند الساعة الثالثة، فشعرنا في البداية ان الأمر غريب، لأن الساعة تجاوزت الثالثة فعلا، لكن فهمنا ان هذا يعني الساعة الثالثة بالتوقيت العربي ـ وهو يطابق الساعة التاسعة لدينا ـ لأنهم يعدون الساعة بعد غروب الشمس معتمدين على وقت الغروب والشروق، ولم نكن قد تعودنا على هذا الأمر.
قدم الينا يوسف ياسين وعرفنا بمستشار الملك «خالد الحكيم» والمسؤول عن الشؤون الداخلية عبد الرحمن الطبيشي، ونائب المستشار السياسي رشدي ملحس وسكرتيره إبراهيم.
في أثناء اللقاءات كان الحديث يدور بين الوزير الياباني ويوسف ياسين باللغة اليابانية والعربية والفرنسية، كان إبراهيم يتولى الترجمة من الفرنسية، وكنت بدوري أتولى الترجمة اليابانية، وبينما كنا نتناول طعام العشاء، شرع يوسف ياسين وإبراهيم في أداء الصلاة (صلاة المغرب).
بدأنا ـ على ضوء المصباح ـ عقد أول لقاء على مستوى المسؤولين في الخارجية اليابانية والخارجية السعودية: الوزير ، يوسف ياسين وإبراهيم، والمهندس الياباني وأنا، لكن هذا اللقاء لم يكن كتلك اللقاءات التي تتم بين مختلف الدول، فالأمر كان مختلفا، لا يمكن بالطبع أن أذكر تفاصيل اللقاء، لأن هذا غير مسموح به.
ولهذا فلن أكتب تفاصيل اللقاء وهو اللقاء الذي كان الهدف الأول والرئيسي لرحلتنا هذه، وكان علينا أن نعقد لقاء كهذا مرة كل يوم من الأيام العشرة التي قضيناها في الرياض.
انتهى اللقاء الأول في تمام الساعة العاشرة والنصف ليلا، بعد محادثات استمرت ثلاث ساعات، وتبلغ الساعة الآن الحادية عشرة تقريبا، ودرجة الحرارة 22 درجة مئوية».
الطريق إلى لقاء الملك
* ويضيف المؤلف «في اليوم السادس من أول ابريل من عام 1939م، استيقظت، واستحممت، واستبدلت ملابسي، ولبست المشلح وتناولنا نحن الثلاثة طعام الإفطار ـ الوزير وأنا والمهندس ـ حيث قدموا لنا برتقالا طازجا، وكان لذيذا جدا.
قدم الينا عبد السلام ومعه رئيس الحرس الذي رافقنا من جدة، وبدا الاثنان في أناقة شديدة: مظهر جميل وملابس نظيفة مرتبة، ووضع رئيس الحرس الطيب الذي يعشقه العرب وهو «دهن العود».
تحركنا، ومعنا عبد السلام ورئيس الحرس، واتجهنا إلى قصر الملك، والسائق الذي جاء بنا من جدة لبس حلة جديدة، فكان رائع الهندام، ذكر لنا انه ذهب إلى السوق ليلة أمس لشراء ساعة فالتقى بأحد أصدقائه هناك، غير انه لم يجد ما يريد فكان بادي القلق.
قال له الوزير: حين نذهب إلى جدة سأشتري لك ساعة من هناك، فسر كثيرا بذلك، وقال مرددا: أشكركم أشكركم. واتجهت سيارتنا إلى القصر، وسرنا في الطريق نفسه الذي سلكناه أمس، ثم دخلنا من بوابة قصر الشمسية، ووجدنا على بوابة القصر مائة من رجال الحرس، وعلى رأسهم رئيس الحرس الذي كان يلبس زيا شبيها بزي العسكريين المصريين، وكان معظمهم يضع العقال على رأسه، وشاهدت اثنين او ثلاثة منهم بدون حذاء.
توقفت السيارة وقدم يوسف ياسين وإبراهيم لاستقبالنا، وقادنا يوسف إلى الغرفة التي سنلتقي فيها بالملك، وهي غرفة الضيافة.
كانت الغرفة تتكون من مائة «تتامي».. غرفة واسعة جدا، وفي كل جانب من جوانبها الأربعة مرآة كبيرة، رسمت على كل منها صور أزهار وورود.
كانت الزخرفة رائعة وجميلة جدا، وجدران الغرفة مثل جدران غرف القصر الذي نقيم فيه، وفي السقف أربع مراوح أو خمس، بينما تدلت الستائر على النوافذ، ووضعت أرائك وكراسي من الخيزران، لكنها أفضل من تلك التي وضعت في القصر الذي نزلنا فيه، وكانت أشعة الشمس تخترق النوافذ لتصل إلى داخل الغرفة الكبيرة.
وقار وهيبة ملك
* دخلنا غرفة الضيافة، واتجهنا إلى رجل يجلس على كرسي ضخم ذي مساند، كان يرتدي مشلحا، ويبدو طويل القامة، وعن يمينه جلس ثمانية رجال يلبسون المشلح، وأدركنا أن الرجل الذي يجلس على الكرسي الضخم هو الملك ابن سعود.
اتجهنا ناحيته ووقف من كرسيه، وسلم علينا سلاما حارا، بدأ بالسلام على الوزير، ثم المهندس، ثم بي وقال: «مرحبا.. أهلا وسهلا.. أهلا وسهلا وصلتم بأمان الله». وحين سلمت عليه قلت له «تشرفنا».
كانت يد الملك ناعمة ملساء، وعلى اثر إشارة منه جلس الوزير عن شماله، وجلست والمهندس عن يمينه، وبجواري جلس إبراهيم ويوسف ياسين على يسار الملك. كانت هناك طاولة وضع عليها جهاز هاتف ومنظار كبير (للرؤية البعيدة) ونسخة من (القرآن الكريم).
شعرت بأن الملك أطول مني بنحو خمسة عشر سنتيمترا، فهو طويل القامة جدا، ربما تصل قامته إلى 180 سنتيمترا، فمظهره يدعو للاحترام الشديد، فهو ملك حقا وصدقا، وعلى رأسه عقال مطرز بخيوط مذهبة مع الخيوط السوداء، وكانت الغترة التي يضعها على رأسه بسيطة جدا، مصنوعة من القطن مثل الغترة، التي يضعها سائقنا على رأسه، لا فرق بين الاثنين على الإطلاق. وتحت المشلح كان الملك يرتدي قفطانا واسع الذيل.
وقد شاهدت مثل هذا على طلاب الأزهر في مصر، لم يكن يضع حذاء في قدميه، بل كان يلبس جوربا من نسيج سميك. وسمعت ان الملك لا يحب الرائحة الكريهة وينفر منها، ويحب الطيب، وقد شعرت بهذا عندما اقتربت منه، شعرت برائحة الطيب، طيب من النوع الغالي، تفوح من جسده. والملك في هذا المشلح أعطانا انطباعا بأنه ملك حقا. ملك لهذه المنطقة بلا منازع، فهذا المشلح يناسبه تماما. ويتناسب مع شخصيته التي تمتاز بالوقار والهيبة. وجه طويل إلى حد ما. يزينه شارب ولحية سوداء جدا، إلا أن الشارب كان أكثر سوادا من اللحية، وكان كثيفا جدا أكثر مما هو لدى العرب عادة. لم أر له مثيلا من قبل، عيناه كبيرتان واسعتان، لكن شعرت ان عينه اليسرى تعاني من شيء ما، ولاحظت ان إصبعه الوسطى في يده اليسرى بها قطع، وهذا يعني انه خاض قتالا ضاريا من قبل، وفي يده اليمنى لاحظت خاتما به حجر كريم، لا اعرف اسمه لبسه في الإصبع الصغرى، وكان تحت عين الملك اليسرى «خال» كبير.
كانت بشرته سمراء، لكنها بالنسبة لنا كانت مليحة جذبت عيوننا، صوته كان خافتا. وفيه «بحة»: حين سمعت صوته لأول مرة كنت أتعجب كيف يمكن لصاحب هذا الصوت أن يصيح او يقود الناس في الصحراء بهذا الصوت الخافت. وحينما كنا نتبادل الحديث كان الملك يبتسم دائما. ولم نلاحظ عليه أبدا أي مظهر من مظاهر الغضب او الامتعاض او حتى الملل. شعرت أنه ملك مختلف تماما عن الملك فاروق في مصر. عربيته التي يتحدث بها قريبة من الفصحى، لكنه يتحدث أحيانا بلهجة نجدية. وتصدر عنه أحيانا عبارات بلهجة سورية، كنت أحيانا لا افهم ما يقول. كان الحديث يدور في معظمه مع الوزير، الا انه أحيانا كان يوجه الحديث اليّ مباشرة. كنا نتحدث عن الدين والموقف الدولي والأمور السياسية. ولمدة ساعة وطوال الوقت كان يبدأ حديثه عادة بعبارة: «سعادة وزير اليابان». وحين كنا نتكلم عن الاتفاق الذي سيعقد بين السعودية واليابان: وعن الأحوال داخل المملكة العربية السعودية، والعلاقات مع الدول الأخرى، كان دائما يبتسم وينظر الى يوسف ياسين والى الآخرين مرددا:
اليس كذلك يا يوسف...؟
أليس كذلك يا خالد..؟
وذلك بطريقة كلها بساطة وود».
نقاش مع الملك
* ويشدد المؤلف بالقول «كما ذكرت قبل ذلك لا يمكن أن أكتب شيئا عما دار بيننا وعما اتفقنا عليه، أو عما كان ينبغي لنا مناقشته أو التحدث فيه. لا يمكن أن أكتب شيئا فيما يتعلق بموقف السعودية أو قضاياها، لكن اذكر هنا ان الملك قال: بلدنا بلد تحكمه الشريعة، والشريعة هي حكمنا ولا شيء غيرها، وأمام الشريعة جميع الناس سواسية، لذا فإن الديمقراطية الغربية التي تطبق بالقوة هي بالنسبة لنا وبالنسبة لبلدنا ليست ديمقراطية حقيقية، عندنا الشريعة، وهي دستور العرب، والمسلم الذي يؤمن إيمانا حقيقيا بالشريعة لا يفرض عليه بالقوة شيء، ولتحقيق الأمن لا نلجأ أبدا الى القوة، وقد سلمنا المسؤولية لأمير كل قبيلة، وعلى الأمير نفسه ان يتعامل مع أهل قبيلته، وأن يؤدي واجبه. فإذا ما حدث شيء ـ لا قدر الله ـ تكون هذه مسؤولية أمراء القبائل ولهذا فنحن الآن نعيش مرحلة أمن وحالة أمن.
وعن العلاقات الدولية قال الملك: نحن نريد ان تكون لنا علاقات طيبة بالدول المجاورة، وبالدول القوية في أوروبا، كما اننا لا نحمل بغضا ولا نحمل كراهية لأحد، وعلى سبيل المثال لا نحمل بغضا لدولة ألمانيا أو ايطاليا أو بريطانيا أو أميركا أو فرنسا، ونحن نحترم اليابان باعتباره بلدا عظيما في جنوب شرقي آسيا.
وعن الشيوعية قال الملك: الشيوعية.. نحن لا نوافق عليها ابدا. بل نود ان تنتهي. وهنا تبذل كل محاولات، لكن رجال بلدنا لا يقبلونها أبدا. وهذا أمر واضح تماما، ولهذا نعتقد ان الشيوعية لا يمكن أن تأتي الى بلدنا ابدا. ومن هنا فنحن لا نشعر بوجود مخاطر من الشيوعية تجاه سياستنا.
وعن اليهود قال الملك: اليهود كانوا دائما أساس الصراعات التي تدور في أوروبا، وهم أساس الصراعات التي تدور الآن، وفيما يتعلق بإخوتنا في فلسطين نساعدهم بما لدينا، ولقد أوضحت هذا تماما حين كتبت الى الرئيس الاميركي روزفلت، أرسلت له رسالة خاصة، وقلت له: ان اليهود سوف يتسببون في ايجاد مشكلات عديدة في جميع أنحاء العالم.
ثم قال الملك لنا مباشرة: وأنا آمل ان تقوموا في اليابان بدعم رأيي هذا.
وشعرت بأنه كان منفعلا وعاطفيا حين كان يتكلم عن اليهود.
تحدثنا كثيرا في موضوعات ليست مهمة، لذا لن أكتب عنها. لكن خلال الاجتماع تحدثنا عن ابنه الثاني فيصل الموجود في لندن في ذلك الوقت، أخبرت الملك بأنني والوزير التقينا به في القاهرة، فسر الملك كثيرا، وظهرت أمارات السرور على وجهه واضحة. كما لو كان عاجزا عن كتم سعادته، وراح يسألنا: كيف كان فيصل؟ هل كان في صحة جيدة؟ وراح يسألنا أسئلة تفصيلية عنه، ثم ذكر لنا أن الأمير فيصل قادم خلال أيام وسوف يسعد كثيراً لو التقى بنا في الرياض. كان يتكلم بأحاسيس الأب والوالد لا الملك. عرفنا أن الملك يحب الأمير فيصل حبا جما.
سعود أمير مهذب
* بعد نصف ساعة دخل علينا رجل يبدو في الثانية والأربعين من عمره، يضع نظارة على عينيه. قامته طويلة الى حد ما، نظر اليه الملك، وقال انه أحد أولادنا، انه الأمير سعود، فأردنا ان نحييه، لكن الملك قال: «فيما بعد». فأومأنا إليه بأيدينا. كان الأمير مهذبا جدا، جلس على الكرسي بأدب شديد وراح يستمع الى حديثنا.
قال الملك للمهندس ميتسوتشي انه طلب من أميركا حفر بئر ماء أمام قصر البديعة وسأله هل هناك احتمال لوجود ماء في الموقع؟ فرد المهندس: لا يمكن أن ابدي رأيي سريعا الآن، لكن أمهلني ليوم غد، سأقوم بدراسة جيولوجية لهذه المنطقة وأعطيكم جوابي.
وفي اثناء المناقشة قدموا لنا الشاي والقرفة والقهوة، قدموا الشاي مرة واحدة، لكن القهوة عدة مرات، كان طعمها لذيذا، كانت كالقهوة التي شربناها من قبل، لكن «فناجين» القهوة كانت «فناجين عادية» وكان الحارس الذي يقدم القهوة لا ينتعل حذاء.
انتهى الحديث تقريبا. وشعرنا بأنه لم يعد هناك داع لجلوسنا، ولكن كلما هممنا بالاستئذان بدا الملك وكأنه لا يريد ان يتركنا نذهب، وأوقفنا أكثر من مرة عن مغادرة المكان، وراح يرحب بنا.
رجعنا الى مكان إقامتنا. وجاء الينا يوسف ياسين ليخبرنا بأننا سنتابع الحديث معاً في الساعة الواحدة، لكن الساعة الواحدة تعني الرابعة. وهكذا جاء يوسف ياسين ثانية، ودار بيننا الحديث حتى الساعة السابعة، أي لمدة ثلاث ساعات.
جولة في مدينة الرياض
* استيقظنا من النوم، وهذا اليوم هو إجازة قومية في اليابان تتعلق بمناسبة خاصة بالإمبراطور، ولهذا فالأعمال التجارية في اليابان متوقفة، والمحلات مغلقة.. تناولنا طعام الإفطار. لم يكن هناك ما أتوق اليه من الطعام الطازج، لكن ما العمل.
وبعد الطعام بدأت أعد لإرسال برقية لوزارة الخارجية، وذلك بالآلة الكاتبة التي كنت أحملها معي، ثم ذهبت مع المهندس ميتسوتشي وأخذت صورة للحديقة. وحين أردنا أن نتجول ونشاهد مدينة الرياض، طلب عبد السلام منا التريث حتى يسأل الملك ليرتب لنا الأمر. وقام بالاتصال بيوسف ياسين الذي تأخر في الرد فترة طويلة، وخلال هذا الوقت أحضر عبد السلام مقالا قال انه سيرسله إلى جريدة «أم القرى» عن رحلتنا، وشاهدنا مسودة ما كتب! جاء رد يوسف ياسين ايجابيا، وذكر أن بالإمكان أن نذهب لمشاهدة مدينة الرياض، والتجول فيها في الساعة الحادية عشرة من هذا الصباح، فشعرنا بأنهم يعاملوننا معاملة ضيوف مهمين، وانطلقنا لنشاهد مدينة الرياض.
قالوا لنا: إن سكان الرياض 20 ألف نسمة، فسألت نفسي متعجبا أين يسكن هؤلاء؟! لم أر أناسا كثيرين هنا.. ومضينا في الطريق المؤدي إلى وسط المدينة، فشاهدنا المباني المشيدة من الطين، كان هناك محل لبيع الطعام المعلب وزيت الطعام، وكان يمكن أن نرى علب الطعام كتب عليها «صنع في اليابان» ورأيت الناس الذين يمشون بدون أحذية، والنساء كلهن يلبسن الحجاب الأسود، وفي الطريق رأينا سيارات فيها نساء، وضعت على نوافذها ستائر، وربما كانت النسوة من الأسرة المالكة. ومرت سيارتنا بجوار قلعة أو قصر «قصر المصمك» قالوا لنا انها أقدم قلعة للأسرة السعودية، وقد وقعت مرة في قبضة الأتراك، ومن بعدهم آل رشيد من حائل. وفي سنة 1902 قام جلالة الملك عبد العزيز ـ وكان في العشرين من عمره ـ ومعه 15 نفرا من أصدقائه بالهجوم على القلعة، وتمكن من تسلق سورها والسيطرة عليها، وداخل هذا القصر توجد الآن سلطة نجد، والأمير سعود ولي العهد يقيم هنا أيضا، كما توجد في القصر الشعبة السياسية، التي نظمها يوسف ياسين ويوجد أيضا مقر الوزارات المختلفة.
دخلنا القلعة أو القصر، وصعدنا الى الطابق الثاني، كانت الزخارف الداخلية تشبه تلك الزخارف الموجودة في قصر الشمسية الذي يقيم فيه الملك. دخلنا الغرفة الخاصة بالشعبة السياسية التي بدت كأنها مكتب عادي، لكن مساحته واسعة، وتوجد فيها منضدة كبيرة جدا. وعلقت على الحائط خريطة العالم باللغة العربية، وخريطة لشبه الجزيرة العربية مطبوعة في بريطانيا، وعلى المنضدة وضع جهاز هاتف، وكرة كبيرة مرسومة عليها خارطة العالم، وكرسي مصنوع من الجلد. لكن الإضاءة في الغرفة لم تكن كافية تماما مثل الإضاءة في غرفتنا التي نزلنا فيها، وعلقت على الحائط ساعة، كانت تشير الى الساعة السادسة بالتوقيت العربي.
بعد المغرب ذهبنا إلى القصر الذي يعيش فيه صاحب السمو النائب الأول (ولي العهد) تلبية لدعوته إيانا لتناول العشاء. دخلنا في القصر الذي كانت زخرفته شبيهة بالزخرفة الموجودة في غرفتنا، فرحب بنا الأمير سعود نفسه، وأخذنا إلى حجرة الطعام.
وكان بجانبنا يوسف ياسين، وخالد الحكيم، وإبراهيم، والدكتور السوري، وأحد الرجال ممن لهم مكانة في القصر ـ نسيت اسمه ـ كنا جميعا تسعة، كانت مائدة الطعام على النمط الأوروبي. وكانت الأطباق شبيهة بتلك التي نستخدمها حيث نقيم.
جلس الأمير سعود على رأس المائدة، وعن يمينه جلس الوزير الياباني وخالد الحكيم والرجل ذو المكانة الرفيعة في القصر، والدكتور السوري، وعن يساره جلس المهندس وأنا وإبراهيم ويوسف ياسين، كانت هناك مقاعد عديدة خالية تستوعب كثيرين من الضيوف. وتكون الطعام من حساء (مرق) لحم الضأن الدسم جداً، ومن الدجاج وأرز به قطعة صغيرة من لحم الضأن المحمر بالزيت، وفطيرة كبيرة حلوة جداً جداً، وفاكهة المانجو المعلبة، وأجمل شيء في هذا كله أنني استطعت أن آكل البرتقال الفلسطيني الطازج، والتفاح الفلسطيني الطازج أيضاً. كان الطعام دسماً وشهياً جدا.
وبعد أن فرغنا من تناول الطعام انتقلنا إلى غرفة الضيوف مع النائب الأول (ولي العهد) صاحب السمو الأمير سعود. كانت جدران الغرفة مزخرفة بأشكال جميلة ذات ألوان واضحة جدا، وعلى المنضدة وضع مذياع وكرة تحمل خريطة العالم كتلك التي شاهدناها في «الشعبة السياسية».
كان النائب الأول الأمير سعود يبدو كأبيه، طويل القامة ـ تصل قامته إلى نحو 180 سنتيمتراً ـ لكنه لم يكن عريضاً كأبيه، وكان لون بشرته داكناً. يضع على عينيه نظارة، طريقته في الحديث مثل والده تماماً، إلا أنه كان أسرع قليلا في إخراج عباراته من والده. ونستمتع بالمشي في هذا الجو الجميل الذي زاده ضوء القمر ـ ليلة الرابع عشر ـ روعة وحسناً.
أعادت إلي هذه الليلة المقمرة ذكرى ليلة شبيهة بها في القاهرة، حينما ذهبت إلى منطقة الأهرام، لا تزال هذه الذكرى ماثلة في نفسي وناظري، الآن أعاد لي بدر الرياض ذكرى الليلة المقمرة في القاهرة، فاغرورقت عيناي بالدموع. بعد أن عدنا إلى غرفتنا، كتبت برقية على الآلة الكاتبة، ثم دلفت إلى سريري، ونمت نوماً عميقاً.
حدثنا الأمير عن الزمن الذي جاء فيه والده إلى هنا ودخل على هذه القلعة، وحدثنا أيضاً عن الوضع الداخلي في المملكة العربية السعودية، والقضايا التي واجهت الملك. ثم سألنا عن اليابان، وبدأ كأنه مهتم كثيراً باليابان.
تسلمنا هدايا الملك: أهدى إلى الوزير سيفا مذهباً، وكسوة تتكون من مشلح وجلباب وغترة وعقال، وأهدى الملك إلى المهندس ميتسوتشي ولي أيضاً ساعة يمكن أن تضيء أرقامها وعقاربها بالليل، وعليها اسم الملك، وكسوة كالتي أهديت إلى الوزيرة، وأهدى لخادمنا محمود كسوة تتكون من مشلح وجلباب وغترة وعقال.
وأخبرنا يوسف ياسين بأنه ليس عندهم نظام يسمح بإعطاء النياشين، لأن ذلك ليس من الإسلام، ولذا أهديت إلينا هذه الهدايا. وفيما يتعلق بالسيف قال: إن الملك تعود أن يستخدمه، لهذا فإن من الشرف الكبير للأجنبي أن ينال سيف الملك، وفيما يتعلق بالكسوة قال: إنها مليئة بالطيب الذي يستخدمه الملك عادة. ولا أزال احتفظ بهذه الكسوة، ويمكنني أن أشم رائحة الطيب، كلما شعرت بالحاجة إلى ذلك.
المطر في الصحراء
* حين رجعنا من القصر ازداد هطول المطر أكثر فأكثر، وشاهدنا في الطريق خيمة بعض البدو، وقد غطوها بجلد الغنم وبحصيرة وحزموها بالحبال. كان المطر غزيراً جداً جداً، لذا تبلل كل شيء تماما، خرجت من الخيمة امرأة، وبدا كأن المطر انهمر من سقف الخيمة أيضاً، فهذه الخيمة تستخدم عادة للحماية من أشعة الشمس وشدة القيظ ومن العواصف الترابية، والرياح الشديدة، لكنها لا تصلح للوقاية من المطر، فلا فائدة من هذه البيوت في هذا الوقت، والواقع أنها أقل من بيوت الفقراء في اليابان. انخفضت درجة الحرارة أكثر. وصرنا نشعر بالبرد. والبدو في الخيمة، ربما كانوا يرتعشون داخلها، قسوة الطبيعة هذه جعلت هؤلاء العرب أقوياء، وقادرين على تحمل مصاعب الحياة وشدائدها.
شعرت من أجلهم بالأسى لأنني احتمي داخل السيارة من المطر، وأشعر بما يشعرون به. لكن الأمر في غاية السوء، ليس هنا فقط، لكن في جميع أنحاء العالم: فقد زرت الهند مرة، فرأيت أحوال الناس أسوأ بكثير مما هي عليه هنا. وزرت مرة منطقة الفسطاط بالقاهرة. ثم ذهبت بعد ذلك إلى شارع قصر النيل، وقارنت بين المنطقتين فلاحظت تناقضاً. وزرت فندق الملك داود في القدس، وشاهدت أيضاً العرب الذين كانوا يقفون عراة مكبلين بالحبال! وفي البصرة شاهدت يختاً رائعا لامرأة بريطانية، وشاهدت بجانبه بعض الناس يعومون على قطعة مسطحة من الخشب في نهر الفرات، وفي أكرا بالهند كان هناك قصر رائع، وبجواره «كشك» (كابينة) مكسورة تفوح منه رائحة عفنة يعيش فيه الناس، وفي شانغهاي شاهدت امرأة فرنسية كانت تمشي مع كلبها تتبختر، وبجانبها إحدى الغواني الصينيات ممن طحنهن الفقر. فعدم التوازن يمكن أن يرى في أي مكان على أرض المعمورة. لكنني حين شاهدت الناس هنا، هؤلاء العرب البدو، شعرت أنهم سعداء جداً، فهم قبل كل شيء ـ ورغم كل شيء ـ يتمتعون بالمساواة في كل شيء!! سوف نترك اليوم هذا المكان. ونغادر من هنا عائدين من حيث جئنا. استيقظت وبدأت أحزم الأمتعة وأجهزة الحقائب. وفي التاسعة ذهبنا إلى القصر الذي يقيم فيه الملك، قصر الشمسية مع يوسف ياسين ومستشاره إبراهيم.
التقينا بالملك لقاء الوداع، كانت كلماته لنا بسيطة جداً ومعبرة.. قال: «الناس في بلدنا ليسوا متعصبين، لكن يمكنني أن أقول: إن الناس معتدلون». وأعاد الملك هذه الكلمات على أسماعنا أكثر من مرة. بعد أن التقينا بالملك ـ وبترتيب من يوسف ياسين ـ أخذنا تصريحا بالتقاط صورة مع الملك. إبراهيم سوف يلتقط الصورة لنا مع الملك، بينما سألتقط صورة للوزير الياباني مع الملك، والتقط الوزير صورة للملك وحده، وهي الصورة الموجودة في هذا الكتاب. ولكن فيما بعد اكتشفنا أن الصورة التي التقطها إبراهيم لم تظهر.
نكمل لاحقا معا ما دونه الرحالة الغربيين0000
دمتم جميعا بالف عافيه

مطنوخ
16 - 3 - 2010, 01:32 AM
اخواني المشرفين الكرام
الموضوع حاز على اعلاء عدد قراءة في القسم ولا ادخل إلا واجد تواجد في الموضوع
رغم نزوله الى الصفحات الخلفيه سؤال يطرح نفسه
لماذا لا يتم تثبيته ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
دمتم جميعا بالف عفيه
لاحقا لي عوده معا جولة اخرى،،،،،،،،،،،،

كنــوز
16 - 3 - 2010, 10:20 AM
أخي الكريم مطنوخ

توثيق رائع يعطيك العافية ياخوي




http://store1.up-00.com/Mar10/Oy659514.gif



http://store1.up-00.com/Mar10/NUz59514.gif



دمت بخير وسلام

مطنوخ
25 - 3 - 2010, 01:03 PM
أخي الكريم مطنوخ

توثيق رائع يعطيك العافية ياخوي




http://store1.up-00.com/mar10/oy659514.gif



http://store1.up-00.com/mar10/nuz59514.gif



دمت بخير وسلام

ااختي الكريمه كنوز
وانتي الله يعطيك الف عافية اختي على مرورك واشادتك
دمتي بالف عافيه

الجشعمي بني لخم
17 - 9 - 2010, 11:11 AM
ربي يحفظك من كل مكروه كما حفظت تاريخكم الغالي لنا تبارك الرحمن بك تقبل مروري

مطنوخ
18 - 3 - 2011, 10:16 PM
الاخوة الكرام مشرفي القسم
ارجو ان تعذروني ارتفاع قراءته العالية دفعتني الى تثبيته
مع شكري وامتناني لكل من شارك !!
دمتم جميعا بالف عافية

فتى المكسر
13 - 6 - 2011, 11:49 AM
موضوع في قمة الروعة جزاك الله خيراً على طرحه
نترقب منك الجديد