PDA

عرض الاصدار الكامل : ذكريات مع الزمان


وجدان
20 - 1 - 2008, 10:58 PM
((منذ أن نهض الفجر يخطو على صفحات القرية الشعبية ، تنسلخ تلك الظلمة لتصبح شيئا لم يكن، بين أحشاء القرية التقليدية البسيطة،

بداخل أحد تلك الصناديق العريشية، تنطلق أول صرخات الطفولة المرة، صرخات راشد المولود الصغير قدم على الدنيا حامل معه آهات نسجها بصرخاته وكثرة بكائه منذ خروجه على الدنيا. لتمر الأيام الأولى من حياته مشبعة ومروية بالعطش والجوع الدائم، لقد كانت أمه ذات الوجه الخلاب من المرضعات اللواتي يرضعن أبناء الناس لتحصل على ما يوفر لها ولأسرتها سبل المعيشة على حساب إبنها، وأما والده يبيع في كل يوم جزء من أثاث المنزل المتواضع حتى أصبح الصندوق العريشي خاليا تماما من الأثاث، فقد بترت ساقه بعد رحلة شاقة جاب خلالها في عينه العالم كله . ومضت السنون والليالي المريرة، حتى أصبح راشد يخطو خطواته الأولى من العمر، فلم يعد لأمه أي سبيلة لتوفر للعائلة سبل المعيشة فقد جف حليبها بعد مرور سنتين تقريبا من إنجابها لراشد، فأصبحت تعمل كخادمة عند كل من يطلب منها، ولكنها ذات مرة رحلت بعدما قبلت راشد قبلة عميقة واحتضنته حتى كادت تتداخل جوارحه ببعضها البعض ولم تعد منذ ذاك اليوم، فمن الناس من يقول إنها تزوجت من رجل ثري أعجب بجمالها الخلاب، كانت تعمل خادمة عنده، ومنذ ذلك اليوم أصبح الوالد أتعس إنسان في الوجود فقد كان على مر الليالي يبكي على حاله وحال أسرته، يشكي للنجوم معاناته علها تجيب ، يجمع آلامه وآهاته لظلمة الليل علها تخف من على فؤاده، حتى ابيضت عيناه من كثر الحزن، ومرت السنوات المريرة على راشد وأبيه والخطوط تعلو وجهه تتسع كلما طال الزمن، فقد كان أهالي تلك الشعبية يتبرعون له قدر المستطاع . كبر راشد وأصبح في الثامنة من عمره وكان يردد دوما على مسامع والده حينما يرى بعض الأطفال في مثل عمره يقرأون القرآن الكريم:
- أبي !إني أريد أن أقرأ ، أبي إني أريد أن أصبح كأولئك الأطفال الذين يقرؤن ذاك الكتاب.
فما كان بيد والده سوى أن يحتضنه وتدمع عيناه بحرقة:
- بني ! فلذة كبدي اعذرني فليس بيدي حيلة .. .
تظهر علامات التعجب و الدهشة منسجمة مع ملامح الحزن :
- أرجوك أبي لا تبكي ، لم أكن أقصد هذا ..

فكان هذا المشهد دوما يتكرر أمام منزل أبي راشد صباحا، حتى أشفق علي مطوع الشعبية وجعله من بين طلابه المتميزين ، فطلب منه أن يجمع له الحجر والخشب مقابل تعليمه له، فقد وهبه الله عز و جل ذاك الصوت الذي يجتذب إليه السامع و يرتاح لسماعه كما أنه وهب نعمة الحفظ السريع فحفظ القرآن كاملا في أقل من سنة كما أنه حفظ أسباب نزول السور وتفسيرها، مما أدى إلى وصول طموح معلمه أن يفخر به أمام جميع أهالي البلدة ، فكان دائما يعود من حصة المطوع ليشرح لأبيه ما تعلم وبالرغم من جمل أسلوبه للشرح كان والده غير منتبه إليه فقد كان غارقا في هموم دنياه ، فلم يقرب الصلاة من بعد رحيل زوجته، بالرغم من كثرة النصائح التي وجهها إليه أهل الشعبية . وذات ليلة بينما كان راشد بين النائم المستيقظ سمع صوت قيثارة حزينة، فصد عن يمينه وعن شماله فلم يجد والده، فإذا به يجد والده يبكي جالسا أمام العريش كالعادة كبكاء الأم على وليدها أو أشد، فهب راشد يحتضن والده وبكل حرارة :
- أبي! لا تبك ، الجأ إليه... إلى خالقك، هو من إذا تركك الجميع يبقى معك، هو من يجيبك إذا شكوت إليه، استمع إلى آياته، أتعرف ما تعلمت، لقد تعلمت معنى كلمات وحروف كل منها تحوى على معجزات كنت أجهلها، أبي! إذا كنت تبحث عن السعادة فأرجوك عد إليه..

يرمي راشد جنبا على الأرض وبصرخ في وجهه:
-دعني لوحدي فإني لست بحاجة إلى نصائحك..
يركن راشد إلى أحد زوايا العريش القديم وتدمع عيناه بكل حزن ويرفع يده إلى السماء:
- اللهم أرجوك أهده يا رب ، فأنا عبدك وأنت ربي، أرجوك يا ربي فهو أبي، وأخشى عليه من عذابك...
ونام راشد وخداه مليئان بالدموع، فاتجه نحوه أبوه فغطاه واحتضنه بكل رفق ونام بجانبه.
وبعدما تنفس الصباح، وغنى البحر أجمل الأناشيد التفعيلية ، وأخذ الجميع يبحت عن قوت يومه، وجد أبو راشد نفسه وحيدا، وجعل يسأل نفسه : ((أين قد يكون ذهب راشد في مثل هذا الوقت ؟))، خرج يبحث عن راشد كالمجنون، حسبا منه أن راشد سيتركه بعد الذي حدث بالأمس، وعند إقترابه من البحر وجد راشد يساوم الأسماك التي اصطادها مع والد صديقه حميد ، فاقترب من راشد وهمس :
-إياك يا بني أن تفكر حتى في الاقتراب من البحر مرة أخرى..
- و لماذا يا أبتي؟ فأنا أكسب قوت يومنا ، وهذا العمل فيه فائدة أكبر من جمع الخشب والحجر...
- لكني أخاف عليك من البحر ؟
- البحر!!
- نعم البحر ، ألا ترى ساقي المبتورة ؟! لقد أكلها البحر ، و تركت هذا العمل لأنه جعلني عاجزا عن القيام بأعمال كثيرة ..
- أبي إنه القضاء والقدر ، ولن يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا.. .
يهب أبو حميد نحو أبي راشد ويأخذه بعيدا قليلا و يهمس له في أذنه:
-يا رجل دعه يصبح أفضل منك أم تغار منه ؟!
- ولكن...مازال في الثالثة عشر من عمره..
- ولكن عقله أكبر من عقلك ، أتصدق لقد تعلم الملاحة من أول رحلة جابها معي ، وليس كابني حمود ،دائما يشرد من العمل.. .
- حسنا ، حسنا.. ولكن إياك أن يصيبه مكروه ..
- هو ابني و ليس ابنك فقط!

استمر راشد على عمله، ولكنه ذات مرة بنما كان يعمل أتى المعلم وكلفه بأن يقوم بتعليم أبناء القرية ، لأنه سيرحل إلى قرية أخرى ويترك تعليم أبناء القرية على عاتق راشد، فاستاذن أبا حميد ليذهب فيدرس لأبناء القرية ويعلمهم الصلاة و القراءة ..إلخ، فقام بتنظيم وقته، ففي الصباح يصيد مع ابو حميد وفي فترة العصر يعلم أبناء القرية ، فكان ودودا مع الجميع، أحبه طلاب العلم ، ووجدوا فيه القدوة الصالحة ، حيث إنه كان يعطي لأفضلهم سمكة بحالها وهي حية، وتوافد طلاب العلم على طلبه ،ومرت ثلاث سنوات على عمله وهو المثابر المعروف بعطائه في القرية، حتى أصبح من الأغنياء من بين أهل البلدة ، ولكنه لم يكن يوفر المال لنفسه ، بل للفقراء والمساكين ، واشترى أفضل انواع الأثاث المتواجد في القرية لينعم به والده، كما أنه قام باستأجار خادم اسمه صالح ليخدم والده في غيابه أثناء العمل ،فكان راشد يجلس في آخر الليل ليعلم صالح الإسلام ؛ لأن صالح كبر بين أحضان والده الجاهل ، وتوفى والده ،ولم يعرف حتى ماهي ديانته.
ذات مرة من المرات، بينما كان راشد يعلم صالح ، تقدم أبو راشد نحوهما و قال :
- بني راشد علمني على هذا الدين ..
نهض راشد و قلبه يرفرف من الفرح :
- الحمد لله ...وافرحتاه بك يا أبي ..

وقضى كل من صالح وأبو راشد ما يقارب ليلة كاملة يتعلمان على الدين، حتى أذن الفجر، فنهض راشد ليعلمهما الوضوء، بعدما علمهما بعض مبادئ الإسلام والشهادتين، وأركان وسنن و واجبات الإسلام وبعض السور من القرآن وكيفية صلاة الفجر . وذهبوا جميعهم لإقامة الصلاة في المسجد، فكانت أعين الناس مبهمة بعض الشيء، فمن كان يتوقع رجوع أبي راشد إلى صوابه، ودخول صالح إلى الإسلام، بعد العمر كله، و في أثناء صلاة الفجر تعجب كل من حول أبو راشد لطول سجوده، بالرغم من أن الإمام في الركعة الثانية وهو لا زال في سجوده الأول من الصلاة، فضن البعض أنه لا يعرف كيف يصلي، أو أنه نسي ما بعد السجود، وهنالك من توقع أنه اطال من سجوده ليدعو لله أن يغفر له، وألهت أفكار من حوله عن صلاتهم، حتى انتهت الصلاة ولا زال أبو راشد ساجدا، فتجمع حوله المصلين، فقام صالح يمايله برفق، فوقع جنبا وهمس بصوت متقطع وهو يلاتقط أنفاسه:
- أ..قيمو..ني أريد أن اكمل ص..لا..تي..
يحتض راشد برأس أييه :
- وأنت على هذه الحال؟!
يشهق شهقة قوية و بصوت عال مسموع :
- اشهد أن لا إله إلا الله و أن محمد رسول الله!
تدمع عينى راشد :
- وافرحتاه بك يا أبي، لقد أحسن الله خاتمتك، ولي الفخر لكونك أبي ..
حملوا رجال القرية و معهم راشد جثة أبي راشد لتشييعها على أهل القرية، وأما صالح، فجلس أمام احد زوايا المسجد ، يقلب صفحات الذكريات الماضية مع أبو راشد ..(( .

بقفل الجد راشد كتابه القديم و هو يقول لأحفاده:
-ذاك هو جدكم راشد و أبي جدكم راشد.
يتقدم راشد( أحد أحفاد الجد راشد المسمى على اسمه) نحو جده راشد :
- جدي !ما اسم والدك؟
- إسم أبيك !
- عبيد!
- نعم !
- سبحان الله !
تنهض العنود الطفلة الصغيرة و تصرخ :
- لي الفخر ان جدي راشد..
يبتسم الجد راشد بإبتسامه عريضة :
- ولي الفخر أنكم أبناء ولدي..
تلتفت خلود إلى الساعة :
- لقد جاءت الساعة الثانية عشرة ولم نحس بها..
ويرد خالد :
- هيا إذن فلنترك جدنا ينام، فالوقت متأخر، وأمي وأبي نائمان، فلو علما أنا سهرنا حتى الآن، فسنتلقى محاضرة من الحكومة العليا( الوالد (
يتقدم كل من أحفاده الأربعة لضم الجد راشد وتقبيل رأسه ليرحل كل منهم في غرفته، بينما يبقى الجد لوحده يسترجع الذكريات من جديد في كتابه القديم.

"مـخــاوي الـحــزن"
22 - 1 - 2008, 10:50 PM
مشكوره اختي وجدان على النقل الرائع والمفيد



تقبلي مروووور اخوكـ :



"مــــــخــــــاوي الــــــحـــــــزن"