مطنوخ
10 - 5 - 2009, 08:35 PM
هذاباذن من فضيلة الشيخ سعيد بن رداد حفظه الله إيضاح بلد الشنفرى الأزدي وقبيلته
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد :
لقد صدر حديثاً كتاب تصحيح الرؤى عن بيئة الشنفرى لمؤلفه / محمد بن زياد اليوسي الزهراني ومضمون الكتاب يرى مؤلفه أن الشنفرى زهراني النسب وأنه عاش في سراة زهران، وأنا لا أريد ترجمة الشنفرى ولا بيان اختلاف المؤرخين في اسمه ولقبه، ولا أرغب البت في القبيلة التي حلف الشنفرى أن يقتل منهم مائة رجل هل هم سلامان بني الحجر أم سلامان زهران ؟ إن كان منهم اسم سلامان؛ لأن البت في هذا يطول في أمر ٍ لا يهمنا بقدر ما يهمنا نسب الملقب بالشنفرى وقبيلته التي انتسب ونسب إليها قديماً وحديثاً.
والذي يظهر أن الأستاذ محمد بن زياد يجهل أو يتجاهل قبايل رجال الحجر وفرعها الأواس بن الحجر وسوف أوضح لمن يقرأه قبائل بني الحجر بلفظ مؤجز، وأربط بين الأخبار التاريخية وبين الوقائع العصرية بالتدرج الذي يصل بنا جميعاً إلى صحة نسب الشنفرى؛ لأن تصحيح أخينا بن زياد في وادٍ وصحة نسب الشنفرى في وادٍ آخر على حد قول القائل :
ســـارت مشــــــرقة وســــرت مغرباً شتان بين مشرق ومغرب
فأقول : إن بني الحجر أربع قبائل رئيسية، هم بدأ من الشمال إلى الجنوب قبائل بني عمرو، ثم قبائل بني شهر ، ثم قبائل بللسمر ثم قبائل بللحمر، وتقطن هذه القبائل جبال السروات وما يقابلها من تهامة وبادية، حدهم من الشمال بلقرن ومن الجنوب قبائل عسير وغرباً غور تهامة وشرقاً بيشة الماء وقبائل شهران العريضة، ثم إن جميع هذه القبائل الأربع ينقسم إلى أصلين كبيرين هما بني أثلة وسلامان، وحسب الأخبار الواصلة إلينا من الأولين أنه قد يحصل بين الأثلي والسلاماني سوء تفاهم وربما حصلت بينهم بعض المناوشات الحربية حتى قيل في المثل عندهم : " كأنكم أثلي وسلاماني" لمن يتشاجرون، والقبائل الأربع بنو عمرو، وبني شهر ، وبللسمر وبللحمر، كلهم من نسل حجر بن الهنو بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن أرم بن سام بن نوح عليه وعلى نبينا وسائر الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة وأتم التسليم (انظر كتابنا تاريخ رجال الحجر) وقد ذكر المؤرخون رجال الحجر في الكتب القديمة والحديثة، وممن ذكر بني الحجر قديماً لسان اليمن الحسن بن أحمد الهمداني رحمه الله في كتابه صفة الجزيرة العربية قبل أحد عشر قرناً خلت، وقد ذكر نسب وأرض رجال الحجر ولعل ذلك أثناء رحلته إلى مكة؛ لأن طريق الحاج اليمني يشق سراة رجال الحجر إلى عهد ٍ قريب ويسمى طريق السلطان إضافة إلى ما ذكر في كتب اللغة وكتب الأنساب مادة " ح ج ر " وقد أورد بعض المعاصرين لمحةً وتفصيلاً لقبائل رجال الحجر أو بني الحجر منهم : علامة الجزيرة حمد الجاسر في كتابه " سراة غامد وزهران " ومنهم عمر بن غرامة العمري في كتابه " المعجم الجغرافي لبلاد رجال الحجر " ومنهم الشيخ سعيد بن عوض الأسمري في كتابه " تاريخ رجال الحجر " ومنهم محمد بن عوضه الأسمري " الأواس بن الحجر أرضهم وديارهم " ومن المؤرخين من خص قبائل بني عمرو وبني شهر بمؤلف خاص وهما الدكتور غيثان بن جريس الشهري وفايز العميري الشهري، وخص بللسمر بمؤلف مستقل وهو الشيخ عبدالله بن حسن بن سرور الأسمري وكل هذه المؤلفات مطبوعة وموجودة في مكتبات أبها والنماص ومكتبة السوادي بجدة وغيرها.
ومن فروع رجال الحجر الأواس بن الحجر ولا زالوا وموطنهم في بادية بللسمر ومنهم بنو عامر أهل ثرام ويسمى حالياً الثرمانة يقع على ضفة وادي بيشة بعطان عوالي بيشة النخل، وثرام هذه منطقة أثرية ذات حصون بالحجر متهدمة خاوية على عروشها ومع التقدم العصري دبت فيها الحياة من قبيلة غير أهلها السابقين بني عامر ، وكانوا أهل قوة وغارات على القبائل يسلبون أنعامهم ويعودون بها إلى مواطنهم، قال الحموي : " ثرام ثنية في ديار الأواس بن الحجر بن الهنو بن الأزد ...الخ " قلت : لقد غزوا غامداً فلحقهم رجال غامد وحصل بينهم معركة، قال الشاعر زهير الغامدي :
أفــي أن طلبنـا أهل جـرم بذنبهـم زففتم كما زف النعام النوافر
حديـثٌ أتانـــا عن ثـرام وأهلــهــا بني عامر وودعتنا الأساور
فإننــي زعيــمٌ أن تعـود سيوفــنــا بأيماننا كأنهن مجازر
الشاهد أن ثرام من بلاد الأواس بن الحجر، وفيها جزء منهم هم بنو عامر.
ومن ديار الأواس بن الحجر عيار بفتح العين والياء ، وعيار جبل أحمر اللون كأنه مذهبة في بادية بللسمر حالياً، وأعرفه تماماً لأنه في بادية حضارتنا، وقد حصلت معركة فيه بين غامد أيضاً والأواس وبالذات في شمال الجبل موقع يسمى المصبّح لازال باسمه من زمن الجاهلية حتى الآن، ولا يعرف أهله لماذا سمي المصبّح؛ لكن كشفت كتب التاريخ لنا هذه الموقعة حيث صبّح غامد الأواس بن حجر في هذا الجبل، وقتلوا منهم خمسين رجلاً، ويسمى يوم حراق وفيها يقول الشاعر زهير الغامدي:
تبغي الأواس بأرضها وسمائها حتى انتهينا في دواب تكبّدا
حتى انتهينا في عيار كأننا أظب وقد لبّد الروس الندا
والشاهد أن الشاعر ذكر الأواس وديارهم وما حصل عليهم حيث أدركهم طلب غامد في عيار ، والذي يظهر أن الأواس بن الحجر قد استاقوا نعماً لغامد مع بعد المسافة من بادية بللسمر إلى غامد، ولكن الغامديين تكبدوا على دوابهم الوصول إلى عيار ، وشبّه الشاعر صعودهم الجبل كأنهم ظبأ جمع ظبي، والجدير بالذكر أن الأوس المذكورين لهم بقية نزلوا في وادي عياء شرق عيار لأجل الخصب والماء وتسموا باسم الوادي آل عياء ويدعون أنفسهم بالواسي، حيث يعتز قائلهم " أنا ابن الواسي " وقد ذكر لنا الأولون منهم من أخبارهم ما يفوق الخيال لأنهم أهل قوة وشجاعة لا توجد في غيرهم من رجال الحجر كما أن من صفاتهم أنهم سمر البشرة فطس الأنوف وبعضهم كبير الشفتين كأنه الشنفرى ولازالت تسميتهم بني واس في أشعارهم حتى اليوم، وقد رحل منهم طائفة من عياء إلى شرق البشاير عليان وكانوا بدواً رحلاً ثم استقر بهم المقام في أرضهم شرق البشاير حالياً ويسمون بتسمية أصلهم بني واس ولا يعرفون عند خثعم وشمران إلا ببني واس، وأنا رأيت بعضهم فكانت صفتهم كصفة أصلهم بني واس بللسمر سمر الوجوه.
وفي منتصف القرن الماضي 1400 هـ زار وفد من أصلهم بني واس آل عياء حالياً إلى فرعهم بني واس شرق البشاير وكان الوفد برئاسة الشاعر سعيد بن رابعة العيائي الواسي وقد استقبلهم فرع بني واس واحتفلوا بمقدمهم وقامت العرضة الجنوبية المعروفة لديهم، وفيها يقول شاعر بني واس الفرع مرحباً بأصلهم ويذكرهم بأنهم منهم وأن لهم قسم في عياء وأرض الأواس، فقال :
مرحبا يا سعيد ومن معك نغليه
مرحبا مرحبا بك يا عصابة راسي
يا حمـــى بلدنـا وانتــم حراسهـــــا
أمن قلبي على حدٍ نزلتم فيه
فاتــق الله في قســــم الواســـــي
مظهر الشمس يقفاه نورها
فرد عليه شاعر الأصل سعيد بن رابعه الأسمري الواسي معترفاً بقسم فرعهم ومسلماً عليهم قال :
يا سلام على الدير ومن جاء فيه
وعلى الشيخ ظافر هو ودعوى الواسي
عد من طاف بالكعبة وزارهـــا
أما قسمك فلاحن جاحدينك فيه
غير أخذت المصالح واكتفيت الباسي
مثل صقر تعلوى في وكورها
قلت الشاهد في هذه المحاورة أن كلاً من الطرفين اعترف لرفيقه بأنه واسي من الأواس بن الحجر، وهو الاسم الذي طابق شعر زهير الغامدي، كما ذكره الحموي في معجم البلدان وتناقلته الأجيال حتى يومنا الحاضر، وإن كان بعض قبيلة بني واس آل عياء حالياً لا سيما الأميون منهم قد يحرفون اللفظ فيقولون يوسي بدل واسي، ولا عبرة بقول العامي وإنما العبرة بالأخبار التاريخية والأشعار العربية قديماً وحديثاً.
وعليه فبناءً على ما تقدم من الأخبار التاريخية والحقائق العلمية فإن هذه الشخصية الجاهلية الملقب بالشنفرى حجري أسمري واسي وأن أصله آل عياء حالياً الذين تسموا بالوادي الذي نزلوا فيه وادي عياء حديثاً وتسمية القبيلة بالمكان النازلين فيه أمرٌ يذكر ولا ينكر مع الاحتفاظ بالاسم الأصلي وإذا كان الرجل الذي كان الشنفرى في حجره قال له الشنفرى : " ممن أنا ؟ قال : أنت من الأواس بن الحجر " كما أورده الأصفهاني في كتاب الأغاني، ونقله محمد بن زياد ولكنه لم يأخذ به، وقال الشنفرى بنفسه عن نسبه الأواس بن الحجر رداً على قعسوس التي ضربته كفاً
قال الشنفرى :
ألا ليـــت شعـــري والتلهـف ضلـــة بما ضربت كف الفتاة هجينها
لو علمت قعسوس أنساب والـــدي ووالدها ضلت تقاصر دونها
أنا ابن خيار الحجر بيتاً ومنصباً وأمي ابنة الأحرار لو تعرفينها
وفي نفس المعنى قال عن نفسه أنه من الأواس السابق ذكرهم، حيث قال:
أليس أبي خيار الأواس وغيرها وأمي ابنة الخيرين لو تعلمينها
وقد نص المؤرخ الكبير والباحث الجدير في عصرنا الحاضر الأستاذ علي بن محمد بن سدران الزهراني في كتابه التبيان في تاريخ أنساب زهران بعد ذكر الشنفرى وما قيل عنه وفيه بما لم يسبقه أحد قال حفظه الله:
"مما سبق نستطيع أن نقول بأن الشنفرى لا يمت إلى أيٍ من قبائل زهران بصلة دنيا وإنما هو من أبناء الأواس بن الحجر بن الهنو بن الأزد أي إنه حجري لا زهراني"، قلت : هكذا تبرز الأمانة العلمية في الرجال المنصفين، وإن كان يخالفني في نسب حاجز بن عوف بن الحارث وأنا أحترم وجهة نظره ولا آخذ بها؛ لأن كل منا له دليله ولكن أقول إن سبب الخلاف أن في سلسلة نسب حاجز اسم زهران وسلامان، أما سلامان فهم نصف رجال الحجر وسلامان زهران احتمال أنهم الذي يسمون الآن آل سلمان، وأما ذكر زهران في النسب فهذا من أوهام المؤرخين، وقد قال ابن دريد في الاشتقاق عن العتبي قال مثلاً : " كذب النسابون" .
ولكن الفصل في ذلك حديث حاجز وأخته عن البلد الذي يعيشان فيه حيث ذكر تنومة وهي بلد شهري أثلي وهو سلاماني حيث قال :
ونحن صبحنا الحي من تنومة بملمومة يهوى الشجاع وئيدها
وقالت أخته وهي تتمنى أن تلقى أخاها حاجزاً في أرضه ومرباه:
أحيٌ حاجزٌ أم ليس حياً فيسلك بين جندف والبهيم
ويشرب شربة من ماء ترج ويصدر مشية السبع الكليم
وقال حاجز في شعره :
لنار في ظبية موقدوها بمرتحل على الساري بعيد
وإذا تحدث الإنسان عن نسبه وأرضه فهو الصادق لا غيره، لقول المثل : "الناس مؤتمنون على أنسابهم "، وهذه الأماكن المذكورة في شعره وشعر أخته : الظبية وجندف والبهيم وترج لازالت بأسمائها حالياً وهي تقع جنوب محافظة بيشة في بادية بني عمرو وبالحارث لكون بالحارث يرجعون لبني عمرو، ومركزها القوباء التي حصل فيها التفجير قبل سنين، ومن أراد التأكد فليزورها ويسأل متقدمي السن عن هذه الأماكن.
عـــودٌ علــى بـــدء
ونعود إلى الشنفرى وقومه الأواس ومن ديارهم غابة حضوة بضم الحاء وإسكان الضاد وهي غير حضوة زهران لأن حضوة زهران قرية أما حضوة بللسمر حالياً هي غابة اثنان كيلومتر في اثنين كيلومتر يطل غربها على أصدار تهامة.
وذكر محمد عمر رفيع في كتابه " ربوع عسير " أنه زار تلك الغابة وبرفقه بعض شيوخ عسير حيث قال له الشيخ المذكور إن هذه الغابة كان يختفي فيها الشنفرى وينطلق إلى قتل خصومه من تلك الغابة متشابكة الأشجار وأيد هذه الرواية العلامة حمد الجاسر .
قلت : وقد حدثني من أثق بكلامه وهو مدرس في مدرسة قرية آل مداد التي تحد غابة حضوة من الشرق أن حارساً في تلك المدرسة يدعى منصور بن عامره الأسمري حدثهم بأنه فقد قطيعاً من غنمه في غابة حضوه قبل عشرات السنين فأخذ يبحث عنها لكنه داهمه الليل مشوباً بالضباب فضل طريقه ولم يعلم أين اتجاه قريته وكان مسلحاً فآواه المبيت في عريش مبني بالحجارة مسقوف بالعرعر متهدماً بعضه فدخل فيه ليكنه من البرد وفي أثناء جلوسه إذا هو بمخلوقة في صورة عجوز قالت له اخرج من بيتنا فأخذ يجادلها وإذا هو بمخلوق في صورة شايب حيث قال الشايب للعجوز خليه إنه في بيت الشنفرى، فتركاه وانصرفا.
قلت : إن هذين المخلوقين من مسلمي الجن، ولو كانا من الشياطين لآذوه ومن المعلوم أن الجن يسكنون البيوت المهجورة وهذه الأخبار قديماً وحديثاً تؤكد أن الشنفرى من الأواس بادية الأسامرة حالياً ولا يخالف في هذه الأخبار إلا معاند للحقائق التاريخية والأخبار الحالية .
وقد احتج الأستاذ محمد بن زياد بالألفاظ التي وردت في أشعار الشنفرى بأنها ألفاظ قوم المؤلف وجبال السراة، قلت : كأن الألفاظ العربية وجبال السراة مقصورة على قبيلة محمد بن زياد ولا يخفى بعده ، ومن البراهين التي استدل بها ابن زياد في تأليفه أن الشنفرى من قبيلة المؤلف بني يوس، والجواب على هذا أننا لم نجد في نسب زهران اسم يوس قديماً كما في الاشتقاق وغيره، ومؤلفه ابن دريد أصله زهراني والذي يظهر أن يوس حديث التسمية، وحتى لو وجد فإن يوس كما هو في زهران فهو اسم قبيلة من بني شهر، ويوس في بللسمر ، ويوس كما قيل في قحطان.
ثم لا يخفى أن العرب عامة والأزد خاصة عندهم اسم يوس وأوس وأواس وفرق بين هذه الأسماء، والشنفرى من الأواس، والخلط بين هذه الأسماء غباوة.
ومن العجائب والعجائب جمةٌ، أن الأستاذ محمد بن زياد حرف ألفاظ المواقع التي ذكرها الشنفرى في ديار قومه بني الحجر وأقول : إنه حرام على طالب العلم تحريف أشعار الناس، فمثلاً السرد : هذه سلسلة جبال مسرودة من غليلة جنوباً إلى الفارعة شمالاً تمتد أكثر من عشرة كيلومتر محاذية لوادي نكب في بادية رجال الحجر وبالذات بادية بني شهر ، وحرفها – هداه الله – قال السود، كذلك جبال أرفاغ : هضاب غرب المشلة ، وجبل الحماط وبجواره جبل منجل حرّفه فقال : منحل بالحاء.
ليطابق وادي منحل عندهم، والقو : شعب طويل شرق الرس يصب في بيشة، فقال ابن زياد إنه قلوه !! سبحان الله !! وبيضان : موقع شرق سد وادي بيشة ، والعضداء وليست العصداء ! : هم العضيدات من بني عمرو حالياً، قال في لسان العرب وتاج العروس : أن الصحة العضداء، وذكر الشنفرى الرس ومنجل في شعره فقال :
ويوماً بذات الرس أو بطن منجل .. الخ
والرس هجرة لبني قشير بادية بني شهر حالياً وشمالا ً عنه يقع منجل، هذه الأسماء لازالت كما ذكرها الشنفرى في شعره حرفياً، ومن يريد زيارتها فسوف أرشده إلى من يرافقه من مدينة أبها إلى تلك الفيافي والأماكن؛ لأنه لا يمكن الوصول إليها إلا بدليل خرّيت يعرف تلك المواقع.
ومما ذكر الأستاذ محمد بن زياد أن قبر الشنفرى موجود في بلاده، وأقول : إن هذا ظن وتخمين والظن لا يغني من الحق شيئاً؛ لأن الشنفرى قتل وصلب حتى أكلته السباع والطير وحتى سقطت جمجمة رأسه فرفسها السلاماني برجله حقداً وغضباً عليه، لكنه أصيب بشظية من رأس الشنفرى فتسمم فمات وفي هذا يقول الشنفري أثناء رمقه الأخير وقبل موته :
فلا تقبروني إن قبري محرم
عليكم ولكن أبشري أم عامر
أم عامر : الضبع، أي اتركوني يأكلني الضبع.
أما كون الشنفرى قتل في بيدة أو أبيدة في بادية زهران، فمن المعلوم أن الشنفرى صعلوك شجاع عداء يجول في الأرض لينال مآربه كغيره من الصعاليك يعيشون على السلب والنهب ويعدون ذلك فخراً؛ لذلك فإنه قبل قتله بثلاثة أيام وجد في سوق حباشة التي تقع في ديار الأوصام من بارق قرب قنونا وحلي وهي غرب مجاردة بني شهر حالياً وهي آخر سوق خربت، فلا عجب أن يذهب إلى مصرعه في بيده بقدر الله تعالى.
ثم ليعلم أن ردي هذا ليس فخراً بشخصية جاهلية مات على كفره في زمن الفترة ، لكن ذلك ليعلم أن قبائل رجال الحجر أمة لها ماضيها وتاريخها العريق في الجاهلية والإسلام، ونحن لا ننكر أن قبائل زهران أمة عظيمة لها مكانتها في الجاهلية والإسلام فمنهم صحابة أجلاء وقادة للفتوحات الإسلامية ومنهم علماء وأدباء وشعراء حتى اليوم، وأنا شخصياً أفتخر بهم وبقبائل غامد وقبل ذلك أفتخر بالأوس والخزرج لكونهم إخواننا في الدين والنسب والعادات واللهجات ولا يعني ذلك هضم مكانة غيرهم من القبائل على حد قول المثل : " كل ديرة فيها حقها من رجالها " والله أسأل أن يرزقنا الإنصاف في القول والعمل ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبـــه
سعيد بن عوض بنرداد الأسمري
جـدة - الرمز البريدي 21341 ص. ب 106159
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد :
لقد صدر حديثاً كتاب تصحيح الرؤى عن بيئة الشنفرى لمؤلفه / محمد بن زياد اليوسي الزهراني ومضمون الكتاب يرى مؤلفه أن الشنفرى زهراني النسب وأنه عاش في سراة زهران، وأنا لا أريد ترجمة الشنفرى ولا بيان اختلاف المؤرخين في اسمه ولقبه، ولا أرغب البت في القبيلة التي حلف الشنفرى أن يقتل منهم مائة رجل هل هم سلامان بني الحجر أم سلامان زهران ؟ إن كان منهم اسم سلامان؛ لأن البت في هذا يطول في أمر ٍ لا يهمنا بقدر ما يهمنا نسب الملقب بالشنفرى وقبيلته التي انتسب ونسب إليها قديماً وحديثاً.
والذي يظهر أن الأستاذ محمد بن زياد يجهل أو يتجاهل قبايل رجال الحجر وفرعها الأواس بن الحجر وسوف أوضح لمن يقرأه قبائل بني الحجر بلفظ مؤجز، وأربط بين الأخبار التاريخية وبين الوقائع العصرية بالتدرج الذي يصل بنا جميعاً إلى صحة نسب الشنفرى؛ لأن تصحيح أخينا بن زياد في وادٍ وصحة نسب الشنفرى في وادٍ آخر على حد قول القائل :
ســـارت مشــــــرقة وســــرت مغرباً شتان بين مشرق ومغرب
فأقول : إن بني الحجر أربع قبائل رئيسية، هم بدأ من الشمال إلى الجنوب قبائل بني عمرو، ثم قبائل بني شهر ، ثم قبائل بللسمر ثم قبائل بللحمر، وتقطن هذه القبائل جبال السروات وما يقابلها من تهامة وبادية، حدهم من الشمال بلقرن ومن الجنوب قبائل عسير وغرباً غور تهامة وشرقاً بيشة الماء وقبائل شهران العريضة، ثم إن جميع هذه القبائل الأربع ينقسم إلى أصلين كبيرين هما بني أثلة وسلامان، وحسب الأخبار الواصلة إلينا من الأولين أنه قد يحصل بين الأثلي والسلاماني سوء تفاهم وربما حصلت بينهم بعض المناوشات الحربية حتى قيل في المثل عندهم : " كأنكم أثلي وسلاماني" لمن يتشاجرون، والقبائل الأربع بنو عمرو، وبني شهر ، وبللسمر وبللحمر، كلهم من نسل حجر بن الهنو بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن أرم بن سام بن نوح عليه وعلى نبينا وسائر الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة وأتم التسليم (انظر كتابنا تاريخ رجال الحجر) وقد ذكر المؤرخون رجال الحجر في الكتب القديمة والحديثة، وممن ذكر بني الحجر قديماً لسان اليمن الحسن بن أحمد الهمداني رحمه الله في كتابه صفة الجزيرة العربية قبل أحد عشر قرناً خلت، وقد ذكر نسب وأرض رجال الحجر ولعل ذلك أثناء رحلته إلى مكة؛ لأن طريق الحاج اليمني يشق سراة رجال الحجر إلى عهد ٍ قريب ويسمى طريق السلطان إضافة إلى ما ذكر في كتب اللغة وكتب الأنساب مادة " ح ج ر " وقد أورد بعض المعاصرين لمحةً وتفصيلاً لقبائل رجال الحجر أو بني الحجر منهم : علامة الجزيرة حمد الجاسر في كتابه " سراة غامد وزهران " ومنهم عمر بن غرامة العمري في كتابه " المعجم الجغرافي لبلاد رجال الحجر " ومنهم الشيخ سعيد بن عوض الأسمري في كتابه " تاريخ رجال الحجر " ومنهم محمد بن عوضه الأسمري " الأواس بن الحجر أرضهم وديارهم " ومن المؤرخين من خص قبائل بني عمرو وبني شهر بمؤلف خاص وهما الدكتور غيثان بن جريس الشهري وفايز العميري الشهري، وخص بللسمر بمؤلف مستقل وهو الشيخ عبدالله بن حسن بن سرور الأسمري وكل هذه المؤلفات مطبوعة وموجودة في مكتبات أبها والنماص ومكتبة السوادي بجدة وغيرها.
ومن فروع رجال الحجر الأواس بن الحجر ولا زالوا وموطنهم في بادية بللسمر ومنهم بنو عامر أهل ثرام ويسمى حالياً الثرمانة يقع على ضفة وادي بيشة بعطان عوالي بيشة النخل، وثرام هذه منطقة أثرية ذات حصون بالحجر متهدمة خاوية على عروشها ومع التقدم العصري دبت فيها الحياة من قبيلة غير أهلها السابقين بني عامر ، وكانوا أهل قوة وغارات على القبائل يسلبون أنعامهم ويعودون بها إلى مواطنهم، قال الحموي : " ثرام ثنية في ديار الأواس بن الحجر بن الهنو بن الأزد ...الخ " قلت : لقد غزوا غامداً فلحقهم رجال غامد وحصل بينهم معركة، قال الشاعر زهير الغامدي :
أفــي أن طلبنـا أهل جـرم بذنبهـم زففتم كما زف النعام النوافر
حديـثٌ أتانـــا عن ثـرام وأهلــهــا بني عامر وودعتنا الأساور
فإننــي زعيــمٌ أن تعـود سيوفــنــا بأيماننا كأنهن مجازر
الشاهد أن ثرام من بلاد الأواس بن الحجر، وفيها جزء منهم هم بنو عامر.
ومن ديار الأواس بن الحجر عيار بفتح العين والياء ، وعيار جبل أحمر اللون كأنه مذهبة في بادية بللسمر حالياً، وأعرفه تماماً لأنه في بادية حضارتنا، وقد حصلت معركة فيه بين غامد أيضاً والأواس وبالذات في شمال الجبل موقع يسمى المصبّح لازال باسمه من زمن الجاهلية حتى الآن، ولا يعرف أهله لماذا سمي المصبّح؛ لكن كشفت كتب التاريخ لنا هذه الموقعة حيث صبّح غامد الأواس بن حجر في هذا الجبل، وقتلوا منهم خمسين رجلاً، ويسمى يوم حراق وفيها يقول الشاعر زهير الغامدي:
تبغي الأواس بأرضها وسمائها حتى انتهينا في دواب تكبّدا
حتى انتهينا في عيار كأننا أظب وقد لبّد الروس الندا
والشاهد أن الشاعر ذكر الأواس وديارهم وما حصل عليهم حيث أدركهم طلب غامد في عيار ، والذي يظهر أن الأواس بن الحجر قد استاقوا نعماً لغامد مع بعد المسافة من بادية بللسمر إلى غامد، ولكن الغامديين تكبدوا على دوابهم الوصول إلى عيار ، وشبّه الشاعر صعودهم الجبل كأنهم ظبأ جمع ظبي، والجدير بالذكر أن الأوس المذكورين لهم بقية نزلوا في وادي عياء شرق عيار لأجل الخصب والماء وتسموا باسم الوادي آل عياء ويدعون أنفسهم بالواسي، حيث يعتز قائلهم " أنا ابن الواسي " وقد ذكر لنا الأولون منهم من أخبارهم ما يفوق الخيال لأنهم أهل قوة وشجاعة لا توجد في غيرهم من رجال الحجر كما أن من صفاتهم أنهم سمر البشرة فطس الأنوف وبعضهم كبير الشفتين كأنه الشنفرى ولازالت تسميتهم بني واس في أشعارهم حتى اليوم، وقد رحل منهم طائفة من عياء إلى شرق البشاير عليان وكانوا بدواً رحلاً ثم استقر بهم المقام في أرضهم شرق البشاير حالياً ويسمون بتسمية أصلهم بني واس ولا يعرفون عند خثعم وشمران إلا ببني واس، وأنا رأيت بعضهم فكانت صفتهم كصفة أصلهم بني واس بللسمر سمر الوجوه.
وفي منتصف القرن الماضي 1400 هـ زار وفد من أصلهم بني واس آل عياء حالياً إلى فرعهم بني واس شرق البشاير وكان الوفد برئاسة الشاعر سعيد بن رابعة العيائي الواسي وقد استقبلهم فرع بني واس واحتفلوا بمقدمهم وقامت العرضة الجنوبية المعروفة لديهم، وفيها يقول شاعر بني واس الفرع مرحباً بأصلهم ويذكرهم بأنهم منهم وأن لهم قسم في عياء وأرض الأواس، فقال :
مرحبا يا سعيد ومن معك نغليه
مرحبا مرحبا بك يا عصابة راسي
يا حمـــى بلدنـا وانتــم حراسهـــــا
أمن قلبي على حدٍ نزلتم فيه
فاتــق الله في قســــم الواســـــي
مظهر الشمس يقفاه نورها
فرد عليه شاعر الأصل سعيد بن رابعه الأسمري الواسي معترفاً بقسم فرعهم ومسلماً عليهم قال :
يا سلام على الدير ومن جاء فيه
وعلى الشيخ ظافر هو ودعوى الواسي
عد من طاف بالكعبة وزارهـــا
أما قسمك فلاحن جاحدينك فيه
غير أخذت المصالح واكتفيت الباسي
مثل صقر تعلوى في وكورها
قلت الشاهد في هذه المحاورة أن كلاً من الطرفين اعترف لرفيقه بأنه واسي من الأواس بن الحجر، وهو الاسم الذي طابق شعر زهير الغامدي، كما ذكره الحموي في معجم البلدان وتناقلته الأجيال حتى يومنا الحاضر، وإن كان بعض قبيلة بني واس آل عياء حالياً لا سيما الأميون منهم قد يحرفون اللفظ فيقولون يوسي بدل واسي، ولا عبرة بقول العامي وإنما العبرة بالأخبار التاريخية والأشعار العربية قديماً وحديثاً.
وعليه فبناءً على ما تقدم من الأخبار التاريخية والحقائق العلمية فإن هذه الشخصية الجاهلية الملقب بالشنفرى حجري أسمري واسي وأن أصله آل عياء حالياً الذين تسموا بالوادي الذي نزلوا فيه وادي عياء حديثاً وتسمية القبيلة بالمكان النازلين فيه أمرٌ يذكر ولا ينكر مع الاحتفاظ بالاسم الأصلي وإذا كان الرجل الذي كان الشنفرى في حجره قال له الشنفرى : " ممن أنا ؟ قال : أنت من الأواس بن الحجر " كما أورده الأصفهاني في كتاب الأغاني، ونقله محمد بن زياد ولكنه لم يأخذ به، وقال الشنفرى بنفسه عن نسبه الأواس بن الحجر رداً على قعسوس التي ضربته كفاً
قال الشنفرى :
ألا ليـــت شعـــري والتلهـف ضلـــة بما ضربت كف الفتاة هجينها
لو علمت قعسوس أنساب والـــدي ووالدها ضلت تقاصر دونها
أنا ابن خيار الحجر بيتاً ومنصباً وأمي ابنة الأحرار لو تعرفينها
وفي نفس المعنى قال عن نفسه أنه من الأواس السابق ذكرهم، حيث قال:
أليس أبي خيار الأواس وغيرها وأمي ابنة الخيرين لو تعلمينها
وقد نص المؤرخ الكبير والباحث الجدير في عصرنا الحاضر الأستاذ علي بن محمد بن سدران الزهراني في كتابه التبيان في تاريخ أنساب زهران بعد ذكر الشنفرى وما قيل عنه وفيه بما لم يسبقه أحد قال حفظه الله:
"مما سبق نستطيع أن نقول بأن الشنفرى لا يمت إلى أيٍ من قبائل زهران بصلة دنيا وإنما هو من أبناء الأواس بن الحجر بن الهنو بن الأزد أي إنه حجري لا زهراني"، قلت : هكذا تبرز الأمانة العلمية في الرجال المنصفين، وإن كان يخالفني في نسب حاجز بن عوف بن الحارث وأنا أحترم وجهة نظره ولا آخذ بها؛ لأن كل منا له دليله ولكن أقول إن سبب الخلاف أن في سلسلة نسب حاجز اسم زهران وسلامان، أما سلامان فهم نصف رجال الحجر وسلامان زهران احتمال أنهم الذي يسمون الآن آل سلمان، وأما ذكر زهران في النسب فهذا من أوهام المؤرخين، وقد قال ابن دريد في الاشتقاق عن العتبي قال مثلاً : " كذب النسابون" .
ولكن الفصل في ذلك حديث حاجز وأخته عن البلد الذي يعيشان فيه حيث ذكر تنومة وهي بلد شهري أثلي وهو سلاماني حيث قال :
ونحن صبحنا الحي من تنومة بملمومة يهوى الشجاع وئيدها
وقالت أخته وهي تتمنى أن تلقى أخاها حاجزاً في أرضه ومرباه:
أحيٌ حاجزٌ أم ليس حياً فيسلك بين جندف والبهيم
ويشرب شربة من ماء ترج ويصدر مشية السبع الكليم
وقال حاجز في شعره :
لنار في ظبية موقدوها بمرتحل على الساري بعيد
وإذا تحدث الإنسان عن نسبه وأرضه فهو الصادق لا غيره، لقول المثل : "الناس مؤتمنون على أنسابهم "، وهذه الأماكن المذكورة في شعره وشعر أخته : الظبية وجندف والبهيم وترج لازالت بأسمائها حالياً وهي تقع جنوب محافظة بيشة في بادية بني عمرو وبالحارث لكون بالحارث يرجعون لبني عمرو، ومركزها القوباء التي حصل فيها التفجير قبل سنين، ومن أراد التأكد فليزورها ويسأل متقدمي السن عن هذه الأماكن.
عـــودٌ علــى بـــدء
ونعود إلى الشنفرى وقومه الأواس ومن ديارهم غابة حضوة بضم الحاء وإسكان الضاد وهي غير حضوة زهران لأن حضوة زهران قرية أما حضوة بللسمر حالياً هي غابة اثنان كيلومتر في اثنين كيلومتر يطل غربها على أصدار تهامة.
وذكر محمد عمر رفيع في كتابه " ربوع عسير " أنه زار تلك الغابة وبرفقه بعض شيوخ عسير حيث قال له الشيخ المذكور إن هذه الغابة كان يختفي فيها الشنفرى وينطلق إلى قتل خصومه من تلك الغابة متشابكة الأشجار وأيد هذه الرواية العلامة حمد الجاسر .
قلت : وقد حدثني من أثق بكلامه وهو مدرس في مدرسة قرية آل مداد التي تحد غابة حضوة من الشرق أن حارساً في تلك المدرسة يدعى منصور بن عامره الأسمري حدثهم بأنه فقد قطيعاً من غنمه في غابة حضوه قبل عشرات السنين فأخذ يبحث عنها لكنه داهمه الليل مشوباً بالضباب فضل طريقه ولم يعلم أين اتجاه قريته وكان مسلحاً فآواه المبيت في عريش مبني بالحجارة مسقوف بالعرعر متهدماً بعضه فدخل فيه ليكنه من البرد وفي أثناء جلوسه إذا هو بمخلوقة في صورة عجوز قالت له اخرج من بيتنا فأخذ يجادلها وإذا هو بمخلوق في صورة شايب حيث قال الشايب للعجوز خليه إنه في بيت الشنفرى، فتركاه وانصرفا.
قلت : إن هذين المخلوقين من مسلمي الجن، ولو كانا من الشياطين لآذوه ومن المعلوم أن الجن يسكنون البيوت المهجورة وهذه الأخبار قديماً وحديثاً تؤكد أن الشنفرى من الأواس بادية الأسامرة حالياً ولا يخالف في هذه الأخبار إلا معاند للحقائق التاريخية والأخبار الحالية .
وقد احتج الأستاذ محمد بن زياد بالألفاظ التي وردت في أشعار الشنفرى بأنها ألفاظ قوم المؤلف وجبال السراة، قلت : كأن الألفاظ العربية وجبال السراة مقصورة على قبيلة محمد بن زياد ولا يخفى بعده ، ومن البراهين التي استدل بها ابن زياد في تأليفه أن الشنفرى من قبيلة المؤلف بني يوس، والجواب على هذا أننا لم نجد في نسب زهران اسم يوس قديماً كما في الاشتقاق وغيره، ومؤلفه ابن دريد أصله زهراني والذي يظهر أن يوس حديث التسمية، وحتى لو وجد فإن يوس كما هو في زهران فهو اسم قبيلة من بني شهر، ويوس في بللسمر ، ويوس كما قيل في قحطان.
ثم لا يخفى أن العرب عامة والأزد خاصة عندهم اسم يوس وأوس وأواس وفرق بين هذه الأسماء، والشنفرى من الأواس، والخلط بين هذه الأسماء غباوة.
ومن العجائب والعجائب جمةٌ، أن الأستاذ محمد بن زياد حرف ألفاظ المواقع التي ذكرها الشنفرى في ديار قومه بني الحجر وأقول : إنه حرام على طالب العلم تحريف أشعار الناس، فمثلاً السرد : هذه سلسلة جبال مسرودة من غليلة جنوباً إلى الفارعة شمالاً تمتد أكثر من عشرة كيلومتر محاذية لوادي نكب في بادية رجال الحجر وبالذات بادية بني شهر ، وحرفها – هداه الله – قال السود، كذلك جبال أرفاغ : هضاب غرب المشلة ، وجبل الحماط وبجواره جبل منجل حرّفه فقال : منحل بالحاء.
ليطابق وادي منحل عندهم، والقو : شعب طويل شرق الرس يصب في بيشة، فقال ابن زياد إنه قلوه !! سبحان الله !! وبيضان : موقع شرق سد وادي بيشة ، والعضداء وليست العصداء ! : هم العضيدات من بني عمرو حالياً، قال في لسان العرب وتاج العروس : أن الصحة العضداء، وذكر الشنفرى الرس ومنجل في شعره فقال :
ويوماً بذات الرس أو بطن منجل .. الخ
والرس هجرة لبني قشير بادية بني شهر حالياً وشمالا ً عنه يقع منجل، هذه الأسماء لازالت كما ذكرها الشنفرى في شعره حرفياً، ومن يريد زيارتها فسوف أرشده إلى من يرافقه من مدينة أبها إلى تلك الفيافي والأماكن؛ لأنه لا يمكن الوصول إليها إلا بدليل خرّيت يعرف تلك المواقع.
ومما ذكر الأستاذ محمد بن زياد أن قبر الشنفرى موجود في بلاده، وأقول : إن هذا ظن وتخمين والظن لا يغني من الحق شيئاً؛ لأن الشنفرى قتل وصلب حتى أكلته السباع والطير وحتى سقطت جمجمة رأسه فرفسها السلاماني برجله حقداً وغضباً عليه، لكنه أصيب بشظية من رأس الشنفرى فتسمم فمات وفي هذا يقول الشنفري أثناء رمقه الأخير وقبل موته :
فلا تقبروني إن قبري محرم
عليكم ولكن أبشري أم عامر
أم عامر : الضبع، أي اتركوني يأكلني الضبع.
أما كون الشنفرى قتل في بيدة أو أبيدة في بادية زهران، فمن المعلوم أن الشنفرى صعلوك شجاع عداء يجول في الأرض لينال مآربه كغيره من الصعاليك يعيشون على السلب والنهب ويعدون ذلك فخراً؛ لذلك فإنه قبل قتله بثلاثة أيام وجد في سوق حباشة التي تقع في ديار الأوصام من بارق قرب قنونا وحلي وهي غرب مجاردة بني شهر حالياً وهي آخر سوق خربت، فلا عجب أن يذهب إلى مصرعه في بيده بقدر الله تعالى.
ثم ليعلم أن ردي هذا ليس فخراً بشخصية جاهلية مات على كفره في زمن الفترة ، لكن ذلك ليعلم أن قبائل رجال الحجر أمة لها ماضيها وتاريخها العريق في الجاهلية والإسلام، ونحن لا ننكر أن قبائل زهران أمة عظيمة لها مكانتها في الجاهلية والإسلام فمنهم صحابة أجلاء وقادة للفتوحات الإسلامية ومنهم علماء وأدباء وشعراء حتى اليوم، وأنا شخصياً أفتخر بهم وبقبائل غامد وقبل ذلك أفتخر بالأوس والخزرج لكونهم إخواننا في الدين والنسب والعادات واللهجات ولا يعني ذلك هضم مكانة غيرهم من القبائل على حد قول المثل : " كل ديرة فيها حقها من رجالها " والله أسأل أن يرزقنا الإنصاف في القول والعمل ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبـــه
سعيد بن عوض بنرداد الأسمري
جـدة - الرمز البريدي 21341 ص. ب 106159