وهذه الثقافة تبلورت كينونتها بعاملي الزمان والمكان، الذي قد يتصور البعض أنه لا علاقة بينهما، فالمكان مادي والزمان يدرك ويلاحظ، ولكن علماء الطبيعة لهم رأي آخر.. حيث يكاد تعريفهم للمكان يتماثل مع تعريفهم للزمان، وأفضوا إلى حقيقة مفادها أن الزمان والمكان مظهران لبنية واحدة تسمى بالزمكان (Space-time).

وبأي حال من الأحوال لا يمكن إغفال أو إهمال أي جانب منهما في مفهوم الوطنية فالمكان الذي ينتمي إليه الفرد والجماعة تدور به أحداث وتتشكل به وقائع يدركها من يعيش في إطارها وتختلف من زمن لزمن وإن كان المكان أو الوطن واحداً، فانتماء العربي زمن الجاهلية لأرضه يختلف عن انتمائنا اليوم، إذا وعي الذات للمكان يختلف لا شك باختلاف الزمان.

إن علم العلامات أو السيميوطيقا (Sémiotique) تحيلنا في قراءتها للمكان إلى إدراك جديد له، يتجاوز مادياته إلى علاماته وتضفي عليه أبعاداً خاصة من الدلالات، وتتمثل خير تمثيل في مفهوم الوطن، بأبعاده الزمكانية لتشكل قيمة وجدانية سامية في حياة الإنسان، هذه العلامات سواء كانت ثقافة أو فناً، أبطال ورموز، مناسبات ووقائع، كلها شيفرات سيميوطيقية تخلق حالة حب وانتماء لهذا الكيان.

ووطني بكل ما يحويه من تلك العلامات دينية كانت أو عاطفية أو ثقافية أو تاريخية قولبت بنا منظومة حب لا تُماهى أبداً، ورسمت لحمة وولاء لقيادتنا وإيماناً راسخاً بمقدرتنا كأجيال متعاقبة على الحفاظ على هذه المكتسبات التاريخية، والحضارية، والسير بثبات في غمار هذا البحر المتلاطم حولنا من الفوضى للوصول به إلى مرفأ الرفعة والتقدم وممارسة دورنا الريادي في المنطقة والعالم. وكما ورثنا هذا الوطن شامخاً جميلاً، فإننا مؤتمنون عليه لأدائه لمن هم بعدنا أجمل وأكثر رفعة وتقدم.

حفظ الله خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين وأدام الله عز هذا البلد.